Thursday, January 31, 2008

رحيل الحكيم

حمادة فراعنة
الأيام
رحل الحكيم جورج حبش، كواحد من الكبار الذين تركوا تراثاً كفاحياً على الـمستويات الوطنية والقومية والأممية، وفصيلاً سياسياً نشيطاً في مواجهة الـمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، ومن أجل إزالة الظلـم والاحتلال عن شعبه الفلسطيني، وفي سبيل العدالة والحرية والـمساواة وحقوق الانسان، وهو بذلك التراث وهذا الطموح، ساهم في وضع قضية شعبه على سكة الوصول بعد شوط من الـمحطات، محطات التضحية والتصادم والعراك السياسي، استعاد خلالها شعب فلسطين هويته، وغدت له الأولويات والاهتمام الدولي، والتضامن مع عدالة قضيته ومشروعية نضاله، وفتحت له آفاقاً لـمواصلة الشوط حتى نهاياته الـمظفرة، طالـما أن مدرسة الحكيم منتجة ومثمرة ولها قاعدة جذب من قبل الأجيال الفلسطينية الـمتعاقبة.جورج حبش سبقه قادة كبار، قضوا نحبهم، من مستوى ياسر عرفات وأحمد ياسين، وأطال في عمر نايف حواتمة وأحمد جبريل، تتفق معهم أو مع أحدهم او تختلف، ولكن الـمراقب الـمنصف لا يستطيع إلا الإذعان أن هؤلاء ومعهم كبار قضوا على الطريق بدءاً من غسان كنفاني وأبو علي مصطفى وخليل الوزير وصلاح خلف وطلعت يعقوب وفتحي الشقاقي وأبو العباس وخالد الحسن وعبد العزيز الرنتيسي وغيرهم العشرات الذين أضاؤوا الطريق السياسي والفكري والكفاحي لشعب يتطلع للحرية والكرامة واندمجوا حتى الانصهار مع قضية شعبهم حتى غدت حية تستحق الاهتمام والانتصار.جورج حبش من القلائل الذين ربطوا القضية الوطنية بالكفاح القومي وبالنضال الأممي، ترابط دلل على معدن الرجل وديناميكية تفكيره وماهية خياراته واتساع آفاقه، متوسلاً توسيع شبكة علاقاته وشعبه على الـمستويين القومي والأممي وتوظيفها لـمصلحة كسب الـمزيد من الأصدقاء لقضية شعبه الفقير محدود الامكانيات في مواجهة عدو متفوق سكانياً وعسكرياً وتكنولوجياً واستخبارياً وصاحب إمكانات اقتصادية مالية كبيرة ونفوذ سياسي هائل عالـمياً.الحكيم كان مناكفاً للرئيس ياسر عرفات طوال شراكتهما الكفاحية، حيث شكل أداة رفض وضغط في وجه سياسات ياسر عرفات، ولكنه تميز مع رفيقه أبو النوف أمين عام الديمقراطية أن كليهما انطلق في تعامله مع ياسر عرفات ومع الـمتغيرات الفلسطينية، سواء معارضة أو تأييداً، بروح ودوافع استقلالية ووطنية، ولـم تكن بدوافع الارتباط أو التأثير مع أو من أي جهة غير فلسطينية، ولذك كانت الجبهة الشعبية مع الجبهة الديمقراطية صمام الأمان لحماية الوحدة الوطنية والائتلاف السياسي الذي يقود منظمة التحرير، وكذلك لحركة فتح ومعها في كافة الـمحطات الصعبة، وعلى أرضية هذه الـمناكفة والـمعارضة ومن موقع الحرص وعدم الاندفاع وقف الحكيم ضد إتفاق اوسلو التدريجي الـمتعدد الـمراحل، ولكن الجبهة الشعبية استفادت من عبقرية ياسر عرفات ومن اتفاق اوسلو، واستثمرته لإعادة قيادات وكوادر لها إلى الوطن مع العائدين برفقة ياسر عرفات وكان في طليعتهم أبو علي مصطفى وعبد الرحيم ملوح وعزمي الخواجا وجميل مجدلاوي وغيرهم الـمئات من مناضلي الجبهة الذين رفدوا الوطن بالخبرة وصلابة التجربة واتساع الـمدارك والـمعرفة.الحكيم قبل رحيله تحدث عن الدولة الديمقراطية التي تجمع الشعبين كحل للصراع الفلسطيني الاسرائيلي، على قاعدة الـمساواة والتكافؤ بعيداً عن التمييز والعنصرية والاضطهاد، وهو بهذا الخيار وبهذا الـمعنى، لا يقدم حلاً ديمقراطياً فحسب، بل يدلل على مدى اتساع ذهنه وصفاء تفكيره وابتعاده عن التعصب والحقد القومي، لأن أرض فلسطين كانت دائماً للـمسلـمين والـمسيحيين واليهود، ولـم يعرف شعبها التعصب وعدم الانفتاح، ولـم تكن لطرف أو شريحة دون أخرى هكذا كانت وهكذا ستبقى، وقد هزمت كل الـمشاريع التي كانت تستهدف الاستئثار بها كأرض وموقع مقدس لدى الديانات السماوية الثلاث.جنازة الحكيم في عمان، كانت مميزة، فقد ضمت ممثلي الشعب الفلسطيني باضلاعه الثلاثة، من الـمنافي والشتات، ومن مناطق 48 وكذلك قادة السلطة ومناطق 67، وضمت الـمسلـمين والـمسيحيين، ومن الرجال والنساء، ومن كافة الفصائل الفلسطينية والأحزاب الأردنية، وعدداً من الشخصيات العربية في مقدمتهم محسن ابراهيم الشخصية اللبنانية البارزة، في لـمة تدلل على مكانة الرجل ورسوخ موقعه في ضمائر الناس والطليعة.

ما أصعب هذا الزمن يا حكيم

عبد المجيد سويلم
الأيام
ليس سهلاً علينا - نحن الذين عرفنا هذا الرجل الجبل - ان نكتب في وداعه فالوداع هنا شهادة اعتراف بالغياب، كدنا نودعه اكثر من مرة وفي كل مرة كانت اللغة لا تقوى على الكلام، ترتجف خوفاً من معاني الرثاء وتخشى على نفسها من العري في قممه العالية.لهذا قال الشاعر العراقي سعدي يوسف في احد نصوصه الرائعة بعد عودة الحكيم سالماً ومعافى، سالماً من الموت ومعافى قليلاً من رحلة علاج مستعصيه "قسماً أنني ما كنت لأرثيك"، لم يجد سعدي يوسف من جماليات اللحظة ورهبتها وجموحها غير اصابع الحكيم ليلقي عليها من زحمة المعنى ما يجمع بين قوة المشرط وابداع الخليقة.لو كان الزمن غير هذا الزمن لكان لوداعك ايها الوالد الطيب طعم آخر، ربما كنا سنبكي نعم، لكننا كنا سنسمو على صعوبة الرحيل بما تبقى لنا من أيام على موعد حريتنا، ومن أيام على قيدنا وغربتنا.لو كان الزمن غير هذا الزمن لكنا هتفنا باسمك ونحن في متناول المشهد الفلسطيني - مشهد التحول العنيد من المعجزة الى الاسطورة، ومن الاسطورة الى المعجزة - اليوم ايضاً سنهتف باسمك والغصة تملأ حناجرنا على انك ايها القائد الطيب رحلت في زمن ملتبس يختلط فيه تاريخ الوطن بجغرافيته، ويحار فيه الفلسطيني بين موته محاصراً بين جدران الاسمنت والاسلاك الشائكة، وبين موته على علم ونشيد يكاد يفلت من بين يديه. فقد تحول النشيد والعلم الى نوع من الفولكلور الساذج عند بعضنا وتحول الى ما يقترب الى حدود الاتهام عند بعضنا الآخر.بماذا سنهتف في وداعك ايها القائد، بماذا سنهتف ونحن نهوي من منحدر الى آخر، ومن لجوء الى لجوء جديد ومن تشريد الى تشريد مرتقب، بماذا سنهتف ايها الزعيم منذ ان كنت يافعاً، بماذا سنهتف ايها الفلسطيني منذ اقدم عصور العروبة، ويا ايها العربي منذ ان اصبحت فلسطين قبلة للسلالات اليمنية المهاجرة الى الشمال.ماذا نقول وقد تحوصل الكلام واختلط بالدماء الفاسدة حتى ارهق من كل الجسد، وحتى انكمشت روحنا وضمرت حتى اننا صرنا نداري هزائمنا ونستعيض عن عجزنا بعدد المقتلين منا وبعديد الجوعى والفقراء في صفوفنا، وعما قريب قد يتحول الأميون منا الى سبب معقول للمفاخرة.اي زمن رحلت فيه ايها الحكيم فينا والمحكم منا، فهل نجسد الذين غابوا منا قبل ان يهل هذا الزمن! هل نحنّ الى قوت في زمن غير هذا الزمن، زمن تكون مفارقة الفجيعة فيه هو انك قد غبت قبل ان ترى ما كنت تراه دائماً.اين نحن الآن يا حكيم من سنين العلياء ولحظات العزة والشموخ، لماذا انتظرت كل هذا الوقت حتى تغيب، ترى هل فكرت يوماً واحداً أنك ستعيش الى هذا الزمن، هل خطر في بالك ولو للحظة واحدة انك بعد ان ودعت غسان وابا جهاد وباسل وابا اياد وقبلهم ابا يوسف وكمال عدوان وكمال ناصر، هل فكرت يوماً انك ستودع ابا عمار وابا علي... كيف كان لقلبك كل هذه القوة حتى يكابد كل هذا الفراق.آه ايها الحكيم كم كنت قوياً في مواجهة الصعاب، وكم كنت ضعيفاً امام طفل فلسطيني يبكي مودعاً اباه الشهيد.كم كانت عيناك ايها الصقر تقطر شرراً وأنت تروي حكاية قتلهم لنا وترويعهم لشعبنا، وكم كانت عيناك تقطر دمعاً في لحظة استحضار الشهداء والشهادة، الجيل الذي سبقنا لا يذكر فيك غير الشموخ، فمن الرباط الى عدن كنت تحمل حلمك وتوزعه على هذه المدن الفقيرة، أما جيلنا فلا يذكر منك وفيك غير الشموخ ايضاً ولكن في مخيمات فلسطين وفي المدن العربية التي تسورها احزمة الفقر واللاجئين، اذكر انني عرفت عنك الكثير قبل ان اراك ولكنني لن انسى ابداً كيف اشتعلت سماء مخيم الوحدات فرحاً بعودتك عنوة من سجون الانظمة، لن انسى ابداً حين تجمهرنا وكنا ما زلنا اطفالاً بعمر الرجال، لنراك ... آه كم كانت بهية طلعتك، وكم كانت عظيمة هيبتك.ودعتك عمان ورام الله بحزن يليق بعظمة القائد وسخرية الغياب، ولا أعرف كيف ودعتك عواصم العرب التي احببتها وافنيت سني عمرك من اجلها وكيف ان معظم هذه العواصم قد خبأتك واحتضنتك في احيائها الفقيرة، هرباً من حكم الاعدام الذي حكمت غالبيتها عليك به، عندما كنت شبحاً يطارد اركان الاستعمار في قصور تلك العواصم.اليوم يا حكيم في زمن الانهيار وفي زمن القبائل والفقر والضغائن وانتشار اوبئة الهويات القادمة من عصر حروب الغنائم، اليوم يا حكيم في زمن الردة عن الوطنية والعروبة ترسم الاوطان في الاروقة الخلفية ويكتب التاريخ بأحرف لا تشبه حروف لغتنا وتتلى علينا مزامير غير اناشيدنا، وتزدحم المسارح بجوقات تدق طبول الموت في آذاننا، تنذرنا، تحذرنا من خطر الاصغاء الى عقولنا وقلوبنا ووحدتنا، فهل كان عليك ان تغيب الآن يا حكيم، ولمن ابقيتنا، ولمن عهدت بنا!!.كيف يا ترى سترثيك عدن، وكيف يا ترى ستنعاك بيروت ودمشق وبغداد في زمن الصمت وضمور العروبة.على من ستوزع روحك ايها القائد، ولمن اولاً ستعطي يديك.قلت مرة في ايماءة عتب: انتم لا تعرفون بعد - مع انكم تعرفون أشياء كثيرة - كم هو جذري المخطط الصهيوني، وها أنا اعترف بأننا لم نكن نعرف بما يكفي!!.قلت مرة ماذا دهاكم هل اصبحتم من انصار سايكس - بيكو، وها أنا اعترف نعم، في بعض الاحيان كنا دون ان نعرف!!.قلت مرة بأن مشكلة الشعب الفلسطيني كانت دائماً في قياداته، وها أنا اعترف بأن هذا الشعب ما زال يبحث عن تلك القيادات.آه يا حكيم كيف انك رحلت في زمن لا نحتاج فيه الى القيادة فقط، ولا الى الحكمة فقط، ولا الى الوحدة فقط، ولا الى الوعي فقط، وانما نحتاج الى كل هذا، فلماذا رحلت.

إغفر لنا محبتنا.. يا حكيم

وليم نصار
القدس العربي
في الحادي عشر من كانون الأول (ديسمبر)، صبيحة أحد طلق كوجه طفل يغفو علي ثدي أم ترضع الخير، وُلدنا. وفي كل عام، أيها المسافر في دمنا والمبحر في شريان الذاكرة، أرتديك لحما وعطرا، أجدد صلتي بك وأخبئ طيفك في بؤبؤ العينين، وحين تضيق بي الأرض والسماء، ويجافيني أو ينساني أخوة ورفاق لي أحبهم، أراك وحدك نورا للحب ومصدرا للفجر الندي.في عينيك نور من سماء لا يراه إلا من أحبك، فلم لم تتركني لآخذ البرد والنار والموت عنك.. كي أحميك منا؟ ہ ہ ہيا حكيم.. لم أعتدك قاسيا إلي هذا الحد.. لم تركت قلبي المشاغب وحيدا؟ أليصبح ذكري يغنيها الشعّار علي رباب من نقر حنين ودموع؟نعم جعلتني أبكي.. ومن قال ان دموع الرجال أصعب الدموع؟ ألم تعلمنا أن أصعب الدموع تلك التي نذرفها علي صدر أم أو علي تراب وطن؟ وأنت كنت لي الحلم وما تبقي من وطن.يا حكيم..لم هذا الرحيل المفاجئ؟ هل كنا أبناء عاقين؟ هل تعبت منا ومن هروعنا إليك لنلقي بهمومنا في قلبك المتعب؟إغفر لنا محبتنا.. لكننا كنا نري فيك المرفأ ومرساة الجرح الأخيرة.يا حكيم..أيها الرفيق.. الرقيق.. الحنون حتي العظم..ہ ہ ہالليلة لم أستطع النوم.. متجمد أمام التلفاز لأشارك من خلاله موكب عرسك الأخير.. غفت عيني قليلا فرأيت (أبو هاني) في الحلم يوقظني ويقول لي: إذا أردت أن تضيف إلي همك هما جديدا، فاعشق الوطن.لكنك تعرف أنني منذ المخاض الأول أعشق الوطن، وأنتمي إليه، كما علمتنا انتماء الإبن لا انتماء السمسار أو انتماء الحلاب إلي بقرة ذات ضرع. أنتمي إليه كما علمتنا أنت، لحزنه وشقوة عينيه، في قوته وفي شلله، لأنه أنجبنا من خابية حزنه العتيقة، فكبرنا حادّين كشمسه، مقهورين كأرضه، ولم نتنكر لأحد من أبنائه.ہ ہ ہكم غنينا لفلسطين، وها هي فلسطين لا تجيء إلينا، ولا تتركنا نأتي إليها.وكم صلينا لآلام فلسطين، لكن فلسطين لم تخلصنا.هل أصبح الموت أحن من الناصرة ومن تراب يافا واللد؟هل ستكون فلسطين هي نفسها من بعدك؟هل سيكون لكلمة ثورة طعم من بعدك؟كيف سيكون مذاق الموسيقي والشعر وصوت وفيروز؟أجبني يا أبي..أجبني..ہ ہ ہأيها الأب.. لا أصدق أنها المرة الأخيرة التي أناديك بها يا أبي؟يا أبي..أدرك الآن أن بلادنا مؤجلة، لكن اطمئن.. فنحن نحاول أن نثبت الحلم واللون والريح في الذاكرة، ورغم الألم فإن معنوياتنا وأرواحنا مثل خشب البلوط... ولن ننتحر كما يتمني البعض.. بل سنظل داخل النضال ضد الثورجيين وضد العوج.يا أبي..سوف تبقي بوصلــــتنا إذا صارت برسم واحد كل الجهات. وفي كل يوم سوف أنقش وجهك الحنطي آيات لسفح القلب الكنعاني، وأتذكر كم رضعت من الحنين فأصرخ ملء حلمي: يعلمني حنيني أنه حتي الجبابرة أقزام أمام الوطن. لكن تكاثُر الأقزام في بلادنا، حتي انهم غزوا حلمنا.. ينظرون في أعيننا، يراقبون نبرة صوتنا.. لقد أصبحوا شرطة.. وزرعوا داخل كل منا شرطيا.ہ ہ ہيا أبي...أقبّل قلبك، وأطمئنك بأننا مستمرون في العناد وركوب الرأس، فمثلك هم ذاكرتنا حين تخوننا الذاكرة.. أنت دمنا يا رفيق .. يشدنا إليك رباط الرغيف والحرية والحلم. ففلسطين التي من أجلها جعنا، وعرينا، وحلمنا وغنينا، وجرحنا واعتقلنا، سيكون الغد الآتي لها.يا أبي.. أنا لا أرثيك.. لكنني أودعك الآن بالزغاريد ونثر الأرز ودموع الرجال..يا أبي..سلم لنا علي غسان وأبو علي ووديع وأبو أحمد الزعتر ورفيق دربك جورج حاوي، وأبلغهم أننا في غيابهم ازددنا إيمانا بأننا وحدنا ورثة هذا الوطن، نضم زيتونته إلي الصدر الفسيح رغم ضيق الطريق.نعم يا أبي.. إن الطريق ضيق. ومن قال ان الملكوت يؤتي إليه من الباب الواسع؟وإلي لقاء قريب..

فلسطين بلا حكمة و بلا حكيم

محمد صبيح
القدس العربي
هذا الصباح اتصلت بي وأخبرتني الصديقة الكاتبة وفاء بكر أن الدكتور جورج حبش قد توفي بالأمس، واكتفت بمراقبة ردة فعلي وتضاريس صوتي وهي تقرأ علي مسامعي المتوثبة الخبر العاجل، واعتقد أني حاولت التماسك الظاهري قليلا وتمتمت:هذا الخبر توقعت أن اسمعه منذ سنوات، لا بل لا ادري لماذا داهمني خبرموت الحكيم منذ شهورِ وتحديدا في مرحلة الاحتراب الفتحمساوي ولكني الآن وانا أمتطي صهوة الذكريات، أعتقد جازما أني وفي السنوات الأخيرة ومنذ سجل الدكتور حبش سابقته الأثيرة وربما الأخيرة حين غادركرسي الأمين العام للجبهة الشعبية.. قد بت أفتقد الرجل في المنعطفات والأزمات، واعتقد أن جزءاً غير قليل من بقايا مرحلة الثورة الفلسطينية المعاصرة وحركة التحرر العربي يشاطرني الرأي، بعيدا عن فذلكات التقديس والتدنيس للشخصيات التاريخية ولا سيما رموز المقاومة الفلسطينية والتي لم يبق منها بعد ابوعمار وابي الميسا رحمهما الله سوي ابو النوف حواتمة أطال الله في عمره وبصيرته.ولكي لا تغويني السياسة والأيديولوجيات ولكي أبقي في حديقة الرثاء وفقط الرثاء، فانني أعترف ان للحكيم في قلبي مكانة خاصة، لم تغيرها كل تلك الأطنان من الأفكار والبرامج والأحلام المنهاره والوجوه المستعارة، ولا اذيع سرا ًحين اقول انني ومنذ خشونة أظافري قد صحوت وكان حبش وجبهته شاغل الدنيا وحديث الناس، ولا ادري من اي زقاق في اي مخيم وصلني طيف الرجل، ولا اتذكر الآن من فوهة اي موجز أنباء تسلل ذاك الفدائي الي وجع افكاري وهلوساتي الي ان شاهدت الرجل اواخر السبعينيات في اوج صعود المقاومة وبريق اليسار، وسمعت منه ما ردم فتحة الذعر الأزلية في هواجسنا تلك الأيام.. ولا انكر ان الفتي كأغلب فتيان مرحلتنا قد بهر واعجب بغيفارية الدكتور الذي كان يمارس خطف العقول والقلوب حينما كانت الجبهة تمارس خطف الطائرات.. ووراء العدو في كل مكان ومنذ تلك اللحظة ومعادلة حبش لم تتغير في وجداني وخبايا ودهاليز افكاري والتي تناقضت وتعارضت لاحقا مع الكثير من برامج وتكتيكات وربما استرتيجيات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين! .. هل عدنا الي التنظير؟ لا سأقفز فورا فوق سياج التداعيات لأقول اجمل ما في هذا الحكيم أنه عاش ومات فلسطينيا جيدا وبامتياز، واجمل ما فيه ايضا أنه شكل رمزا للغضب والجرأة والشجاعة الثورية في مرحلة المد القومي واليساري في القرن المنصرم، واجمل ما فيه انه كان ابن مرحلته تماما، وظل وفياً لإله مبادئه وايمانه المطلق بفلسطينه من النهر الي البحر، وحينما ادرك بعقله النير أن مرحلته التي خلق من اجلها انقضت او تراجعت واضمحلت، آثر بشجاعته الانسحاب وفسح المجال للآخرين، واذكر تماما لحظتها حين فاجئني كغيري وقد كنا آنذاك نزهو بربيع سكاكيننا الانفتاحية وهي تقطع اوصال الحزب والمركزية الديمقراطية ووحدة الفكر والارادة والعمل.. واذا من فعلنا أو كدنا ان نصفه بالستالينية والدكتاتورية، يتنحي بطواعية عن موقعه التاريخي ويعتكف لكتابة مذكراته.. ويتركنا لخيباتنا الطويلة وايامنا الذليلة.. هل غرقت مرة اخري في التداعي والتسييس؟ سأعود الآن رغم صعوبة غواياتها الي الرثاء فمثل الحكيم ومثل أيامنا هذه لا يليق بها سوي الرثاء، فقد كنت وباقي رفاق تلك المرحلة نحلم بأكثر مما ينبغي، ونحب بأكثر مما يطاق، ونكره لأكثر ما نحتمل..بخروج الحكيم من مسرح الحياة وكان قد خرج من مسرح الفعل السياسي من قبل وبعد نهاية الحقبة العرفاتية التي نترحم علي ايامها، في حقبة الضفة ستان وغزة ستان اتمني.. وفقط أتمني أن يعوض الله هذا الشعب المنكوب باختفاء الحكمة وظهور الحكام، وانطفاء شمس البصر والبصيرة وسطوع الظلاّم والظلمات والظلام ان يرزقه وهو خير الرازقين بحكماء يميزون بين الواقع والوقيعة، وبين البرامج الدودية لذواتهم وبين الخراب الشامل الذي يعم البلاد والعباد، واعود لما سمعته من الحكيم قبل ربع قرن حين قال لقد وضعت قضية هذا الشعب علي جدول أعمال العالم في منتصف القرن الماضي طويلا تحت بند اللاجئين ووحدها شجاعة وحكمة وفدائية اولئك الرجال والنساء في تلك المرحلة من كرسهم شعبا وطلاب حق مقاتلين من أجل الحرية ودولة منتظرة .. لأجد نفسي اليوم وقد جاء من بعدهم خلف نقضوا غزلهم من بعد قوة انكاثا وليتنا عدنا لمرحلة اللاجئين بل اصبحنا متسولين وجائعين وخونة وقتلة وكفاراً يضرب بعضنا اعناق بعض.. سيقال الكثير عنه وعن مشواره الطويل، سيتحدثون بغزارة عن افكاره ودوره وتاريخ وماضي وحاضر جبهته ، سيقال عن انهيار برامج وهزيمة تلك المرحلة واخطائها وخطاياها، ولكن سيبقي سؤال فلندع الأيام تجيب عليه هل أدي أولئك البشر واجبهم ومارسوا ضمائرهم ومبادئهم ؟؟ هل كانوا بمستوي التاريخ والمرحلة ؟؟واخيرا سنظل نلوك ذلك السؤال المفجع.. هل فقدت فلسطين مع الحكيم ورفاقه حكمتها؟؟
.........................................
سلام علي الدكتور جورج حبش ولترقد روحه الوثابة بسلام حتي مطلع النصر..سلام علي الحكيم في غفوته الأبدية الي أن يسري برفاته الي تراب اللد مجاميع شعبه ليستريح الي الأبد.سلام علي الرفيق ابو الميسا والعزاء لفلسطين ولأحرار الأمة ما أنبت الدهر قناة وسنان حق.. سلام علي زهرة النيران في أرض الجليل سلام لفلسطين.. وإما النار جيلا ً بعد جيل

Wednesday, January 30, 2008

جورج الباحث عن مثال .. صار مثالاً

حسن البطل
الأيام
ما هي فلسطين؟ غرسون يوناني في مطعم باريسي اختصرها عام 1979، هكذا: عرفات.. حبش. بالطبع، سألنا أولاً، زوجتي وأنا: من أين أنتم. وبالطبع، أجبناه: فلسطينيان. ما لم يعرفه الغرسون أنني كنت عرفات (أي فتح)، وزوجتي كانت حبش (أي شعبية). لا أهمية لكوني فلسطينياً (بلا هوية، كما عنوان كتاب وضعه مؤلف فرنسي عن سيرة أبو اياد).. ولا أهمية لكون زوجتي اردنية (بهوية وجواز سفر): الأهمية ان عضويتنا في منظمة التحرير، لم تجعل تعريف الغرسون لماهية فلسطين (بي. إل. أو) بل: عرفات.. حبش.مع غياب هذين المؤسسيْن، بل وقبل غيابهما، لم يعد السؤال (ما هي فلسطين؟).. ومن قبل غيابهما وبعده، لم يعد السؤال (أين فلسطين؟).. غير ان غياب الزعيم الثاني، اليد اليسرى، للحركة الوطنية الفلسطينية جاء في زمن حاد مع سؤال حاد هو (ما هيّة فلسطين). هويتها، روحها، ثقافتها.. ان تكون او تتبدد!كانت لاشتراكات الاسئلة< أين فلسطين؟ ما هي فلسطين؟ أبعادها المختلفة والمتشابكة في تكوين وتكتيكات الزعيمين التاريخيين للحركة الفلسطينية المعاصرة. الجذر الاسلامي لدى عرفات، والجذر العروبي لدى حبش. من هذين الجذرين، ستكون م.ت.ف هي الجذع، وستكون الهوية الفلسطينية هي الجملة الغصنية/ المجموع الغصني، المقابل المنطقي والطبيعي للجملة الجذرية/ المجموع الجذري.معذرة لكلام يقارب الكلام، غير ان أي فلاح محنك، أي عالم نبات مبتدئ، يعرف كيف ولماذا تتشابه أشكال المجموعتين الجذرية والغضية في كل شجرة. الشجرة الوارفة الأغصان ذات جذور ممتدة، والشجرة السامقة العلو ذات جذور عمودية. جذع واحد للشجرة العادية عادة، وفروع رئيسية بالطبع.. وما لا يحصى من الأغصان والأفنان. العلاقة بين (فلسطين عرفات وحبش) كالعلاقة بين الجذرين الاسلامي والعربي للحركة الوطنية الفلسطينية، كالعلاقة بين الفروع والأغصان والأفنان. المهم في الشجرة ان تطرح ثمارها. بعض ثمار الأشجار شهية وتؤكل، وبعضها الآخر يحمل ثماراً تحوي بذوراً لتكاثر النوع.بمعنى آخر لمسيرة ما هي فلسطين؟ عرفات .. حبش او المنظمة.. السلطة، فان فتح عرفات وشعبية حبش اتفقتا، ثم اختلفتا، ثم اتفقتا على جواب سؤال: أين فلسطين. أيضاً اتفقتا، ثم اختلفتا، ثم اتفقتا على جواب سؤال. ما هي فلسطين - وكذا على الجذر العربي في الحركة الوطنية الفلسطينية، وأخيراً على الجذر الاسلامي في هذه الحركة.غاب حبش، العماد الثاني لجواب الغرسون اليوناني عن ما هي فلسطين، بينما الفلسطينيون عادوا للتخبط في امتحان السؤال عن (ماهيّة فلسطين).. لكن، مسيرة حبش النضالية والشخصية والفكرية، ومسيرة الجبهة الشعبية تبشر اننا سنجيب عن سؤال الماهيّة، كما نجحنا في الاجابة عن اسئلة: أين هم الفلسطينيون؟ اين فلسطين؟ ما هي فلسطين؟ لا يمكنك ان تقلب الشجرة عاليها سافلها، وتجعل الجذور العربية - الاسلامية - المسيحية هي الجذع والأغصان والأفنان بشجرة الهوية الفلسطينية.الاختـلاف يبقى، والخلاف يأتي ويروح. يظل الجذع واحداً (م.ت. ف)، وتظل (فتح) الجذع الأكبر و(الشعبية) الجذع الكبير، ويظل القائد المؤسس الأول رفيق درب القائد المؤسس الثاني.على هذا، فان الخلاف على الثورة والمنظمة لم يمنع الاتفاق على الدولة، وهذا لم يمنع الخلاف على السلطة.. ولكن، ازاء الخلاف الجديد على (ماهيّة فلسطين) برز جواب الغرسون اليوناني: فلسطين؟ عرفات.. حبش.بحث حبش عن نموذج عربي يحتذى. عبد الناصر؟ بن بيللا، القذافي؟ صدام حسين؟ وبحث عن نموذج نضالي يحتذى: فيتنام - هوشي منه؟ جزائر - بومدين؟ الجيش الاحمر الياباني؟ وبحث عن مرجعية يسارية في موسكو، بكين، هافانا... وفي محصلة البحث ظلت فلسطين نموذج فلسطين، وصار حبش نموذجاً ومثالاً نفتقده في غيابه.. لكن ها هي فلسطين الخط الاول. ها هم الفلسطينيون في الخط الاول. ها هي (ما هية فلسطين). السؤال الجديد الأول. كيف لا؟ عرفات وأبو علي مصطفى استشهدا على أرض فلسطين. سعدات اسير حرب، ملوح خريج سجون اسرائيل.وداعاً أيها الحكيم. الجذور جذور. الأغصان أغصان.. وفلسطين هي الشجرة.

جورج حبش القائد والإنسان

هاني المصري
الأيام
لن أكتب عن جورج حبش الزعيم التاريخي الذي استحق لقب الحكيم فقط، بل سأكتب عن جورج حبش الانسان من خلال لقطات شاهدتها بأم عيني، وعشتها وما زالت معي، وستبقى ما حييت.كُتب وسيكتب الكثير عن الحكيم اثناء حياته وبعد مماته، رغم الفترة القصيرة التي تفصلنا عن وفاته، فهو شخصية فلسطينية وعربية وعالمية مميزة جداً وفذة، لدرجة انني ازعم ان كل من تعرف إليه - وان احداً من بني البشر، اذا تعرف إلى جورج حبش عن قرب - سيبقى يكن له المحبة والود مهما اختلف معه، لان له شخصية جذابة ساحرة وآسرة.ولمعرفة مدى اهمية الحكيم، علينا ان ننظر كيف تعاملت اسرائيل معه، وكيف نظرت إليه. فقد كتب مركز ابحاث اسرائيلي، قبل عشرات السنين: ان جورج حبش لو لم يكن مسيحياً، ولو لم يكن ماركسياً، لاحتل مكانة في العالم العربي، لا تقل عن المكانة التي نالها جمال عبد الناصر، وذلك للصفات القيادية العديدة التي يملكها، وانا أقول ان جورج حبش ورغم كونه مسيحياً وماركسياً، إلا أنه نال مكانة كبيرة جداً في فلسطين والوطن العربي، تدلل عليها حالة الحزن العميم والشعور بالخسارة التي حلت وعمت بعد وفاته داخل فلسطين وخارجها، الحزن الكبير وقع رغم ان الحكيم تنحى قبل ثماني سنوات عن موقعه في الأمانة العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغاب عن صدارة الاحداث، ولكنه بقي حاضراً في قلب شعبه وأمته.جورج حبش، المؤمن حتى النهاية، والمقتنع حتى النخاع، بالديمقراطية والتجديد، آثر الترجل رغم انه قادر على البقاء والانتصار على مرضه، لأنه مدرك لأهمية ان يترك الجيل المؤسس مساحة للشباب، بحيث يمكن الجمع بين حكمة الشيوخ وحماسة وابداع الشباب. فكان قدوة رغم اصرار القادة على أن لا يحذوا حذوه، فهم آثروا التمسك بمقاعدهم رغم ان بعضهم اصيب بكافة الامراض، بما فيها الزهايمر.كتب الكثير عن جورج حبش، الثوري والراديكالي، وزعيم المعارضة الفلسطينية اكثر من عشرين عاماً، ولكنهم حين كتبوا لم يلتفتوا الى ان حبش عارض ياسر عرفات ولكن ضمن معادلة، "نختلف حوله ولا نختلف عليه". وعارض السياسة الفلسطينية دون ان تصل المعارضة الى حد الانقسام والالغاء والخروج على المنظمة الكيان والاطار والمرجعية. بل كانت معارضة جورج حبش معارضة داخل البيت، وتهدف الى اصلاحه وليس إلى هدمه.وكتب الكثير عن جورج حبش بسبب سياسة خطف الطائرات والعمليات الخارجية، وكتب عنه كمؤسس لحركة القوميين العرب، وصديق ورفيق عبد الناصر، وحليف السوفييت وكوبا كاسترو، وكصديق وناصح لرفاقه في اليمن الجنوبي، ولكن جورج حبش الانسان، الصادق، المتواضع، الأمين، البسيط، لم يُكتب عنه الكثير.ولم ينل الانسان في جورج حبش سوي نزر يسير من الاهتمام. لعل السبب اعتقاد خاطئ بأن البساطة والتواضع يتناقضان مع الثورة والحزم والمعارضة."ليس من مدرسة الباحثين عن الشهرة"جورج حبش رغم اهميته، ودوره وكارزميته لا ينتمي الى مدرسة الباحثين عن الشهرة بأي ثمن من اجل تسويق روايته. فلقد شاءت الظروف ان اكون معه في عدة زيارات واثناء انعقاد عدة جلسات للمجلس الوطني، ولاحظت بأم عيني، كيف تهافت الصحافيون عليه دائماً من اجل اجراء المقابلات، وكان يرفض ليس من قبيل التمنع، وانما لأنه يرى ان المقابلة يجب ان تُجرى في موعدها، وان القائد لا يجب ان يثرثر ويكرر آراءه ويتحدث "عمال على بطال"، وفيما يفهمه وفيما لا يعرف عنه. وعندما يختار الموافقة على اجراء مقابلات يدقق بها، وبعد إلحاح مني ومن غيري من الصحافيين والإعلاميين الذين يريدون أن يكون الحكيم حاضراً في الإعلام، وانا اكتب هذا الكلام تحضرني عبارات كررها على مسامعي صحافيون وصحافيات وكيف انهم يتجنبون المرور مجرد المرور، بالقرب من بعض القادة الفلسطينيين خشية من ان يفرضوا عليهم فرضاً بالتخجيل والالحاح اجراء مقابلات معهم؟ بينما الحكيم يتهرب من اجراء المقابلات معهم.كانت تربطني بجورج حبش علاقة مميزة، أكبر وأعمق من مجرد علاقة كادر في تنظيم الجبهة بالأمين العام، فقد كانت علاقة محبة وتقدير واحترام متبادل. ويمكن ان اسمح لنفسي بأن أقول انها علاقة صداقة. فكان يهمه بين حين وآخر ان يستمع لوجهة نظري رغم الحاحي الدائم على ضرورة الاسراع في اصلاح وتطوير الجبهة وتحويلها الى التنظيم الذي نصبوا اليه، الى التنظيم القائد وليس المعارض فقط. وبالمناسبة جورج حبش كان يسمع اكثر مما يتكلم رغم ان هذا الكلام لا يبدو منسجماً مع اعتقاد الذين استمعوا أو قرؤوا خطابات جورج حبش عن بعد، خصوصاً التي القاها بمناسبات انطلاقة الجبهة، والتي كان يتحدث فيها اكثر من 4 ساعات دون تعب وبترابط بحيث ينتقل الخطاب من موضوع الى آخر ليصل الى ما يريد الحكيم ايصاله للجماهير، فالقادر على القاء هذه الخطابات الحماسية والفكرية كان يستمع اكثر مما يتحدث!!من أشد اللحظات على نفسي كتابة كتاب استقالتي من الجبهة الشعبية في نهاية العام 1990، لاسباب تتعلق بالخلافات في وجهات النظر، ولا تمس برأيي بدور الجبهة التاريخي المميز في النضال الفلسطيني، فالجبهة رغم خروجها عن الخط احياناً، لكنها سرعان ما تعود اليه، مثلت البوصلة والضمير، والتعبير الصادق عن الاتجاه الفلسطيني العام التلقائي. وهذا يعود اولاً لشخصية الحكيم، عندما وصلته استقالتي من عمان وهو في دمشق، حاول ان يثنيني عن الاستقالة وكلف أحد أعضاء المكتب السياسي بأن يقنعني بأهمية البقاء في الجبهة، ولكنه لم يكن الشخص المناسب لهذه المهمة، فهو كان "كفران" هو الآخر، أو بدا لي كذلك. لم أكن في الجبهة بسبب جورج حبش فقط، ولكن اهتمامه بي وبدوري، وقوله مراراً بأنني وبعض الرفاق الآخرين ساهمنا بتطوير اعلام الجبهة، وبمقدورنا ان نساهم بتطوير الجبهة، كان عنصر اطراء كبيراً لا يستطيع الانسان ان يتجاهله، وشكل قيداً كبيراً حال دون الاستقالة قبل ذلك.كان تقدير الحكيم لي ولأمثالي، رغم انني لم أكن من المصفقين له او الموافقين دائماً على ما يقوله او يفعله، يرجع الى اقتناعه بضرورة الجدل والمبادرة والاختلاف من اجل التطوير.جورج حبش مؤدب ولطيف وانسان بكل ما لهذه الكلمة من معنى. فهو يهتم بك كإنسان، ويسأل عن احوالك الشخصية وهمومك ويحاول ان يساعد على حلها، ويدعوك الى بيته للغداء او العشاء دون اية حواجز، ويعترف بخطئه امام الجميع، ويسجل اخطاء الجبهة الشعبية في الاجتماعات واللقاءات والمقابلات، وفي التقارير الصادرة عن مؤتمراتها العامة، ويقبل كما كان مراراً وتكراراً، ان يكون مع الاقلية في الجبهة، ويلتزم بالقرار، رغم انه مؤسس الجبهة وقائدها منذ ولادتها وحتى العام 2000، حين قرر الفارس ان يترجل. ولم يرحل جورج حبش، ولم يختر رغد العيش وبمقدوره ذلك لو أراد تكفي اشارة من اصبعه، بل انكب على دراسة تجربته في سياق البحث في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة.كان بمقدور "ابو الميسا" ان يرتاح في نهاية عمره، ولكنه انشغل في القضية وانشغلت به، حتى آخر لحظة من حياته. فكما روى ماهر الطاهر رفيق دربه فإن آخر ما عانى منه الحكيم هو حصار غزة، وآخر ما فرح به هو رؤية العبور العظيم من غزة الى مصر، العبور الذي كسر الحصار واثبت نظرية الحكيم الذي لم يمل من تكرارها عن ان الجماهير المعبأة المنظمة المؤمنة بقضيتها، قادرة على اجتراح المعجزات وتحقيق النصر.لم يتحدث الكثيرون عن ان الحكيم كان شريفاً طاهراً، ولم يصب بلوثة الفساد رغم انها اصابت الكثيرين، فقد عاش ومات ويده بيضاء، تعطي ولا تأخذ، رغم توفر لحظات كثيرة كان يستطيع فيها ان يأخذ الكثير."ابو عمار لن يخون"قال لي مرة، وهو في ذروة الخلاف مع توأمه السياسي ياسر عرفات، ان ابو عمار لن يخون، قلت له لماذا تقول اذاً انه منحرف، ويقود الاتجاه الاستسلامي وانه... الخ... فقال هذا خلاف سياسي ولكنني واثق انه لن يخون.فقلت له: من اين تجد كل هذه الثقة.قال لي: لقد أكد لي كثيراً انه لن يخون وأنا اثق بكلمته. واضاف ان ياسر عرفات لا يريد أن يموت دون أن يحقق شيئاً لشعبه مثل الحاج امين الحسيني، بل يخشى اكثر ما يخشى ان يواجه هذا المصير. لذلك لا يكف عن الحركة والمبادرة والسفر في كل اصقاع الدنيا، ويبدي مرونة احياناً تكون مبالغاً بها، ولكن لم يحد عن هدفه ابداً وهو فلسطين. هكذا قال جورج حبش اما انا فأقول بعد تأييد ما قاله ان ياسر عرفات خطا خطوة كبيرة نحو تحقيق حلمه ولكنه استشهد على ارض فلسطين وكان حلمه ولا يزال محلقاً بسماء فلسطين.وهذا يقودني الى اهم نقطة في فكر جورج حبش، وهي ايمانه العميق بأن طبيعة الحركة الصهيونية وعداءها للأمة العربية وجذرية الصراع معها، لا يتركان أية إمكانية للوهم بإمكانية عقد سلام حقيقي معها ومع انه وافق على البرنامج المرحلي، إلا أنه لم يتنازل ابداً عن كون هذا البرنامج يتراوح ما بين كونه اعتراضياً او مرحلياً اي خطوة على طريق تحرير فلسطين... كل فلسطين. جورج حبش كان يعتقد ان ميزان القوى القادر على تحقيق دولة فلسطينية ذات سيادة على كامل الاراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967، وحل مشكلة اللاجئين حلاً عادلاً على اساس قرار 194 الذي يضمن التعويض والعودة، سيكون قادراً او لا يفصله الكثير، عن تحرير فلسطين كل فلسطين. لذلك عارض اوسلو بشدة، ورفض ان يدخل فلسطين تحت حراب الاحتلال، وبينما يرفرف علم اسرائيل على حدودها مع الاردن.لقد قال مراراً وتكراراً ان هذا فوق قدرته على الاحتمال.رحل جورج حبش الفلسطيني العربي الأممي، القومي الاشتراكي، الانسان المتواضع، الصادق، وترك وراءه ميراثاً يجعله شخصاً سيبقى اسمه شامخاً مؤثراً وحاضراً في ذاكرة ووجدان الشعب الفلسطيني.

عن رحيل الحكيم

غسان زقطان
الأيام
رحيل "الحكيم" يشبه أن تطوي حقبة أطرافها وتذهب تاركة لنا نعمة التذكر وبلواه.فجأة تبدو تلك الزاوية المطلة علينا مثل شباك مفتوح وفارغ، وسيبدو واضحاً أن شيئاً فينا قد انهار، حتى نحن الذين لم نكن على مقربة منه، كان وجوده هناك يشي، دائماً، بثقة غامضة وضرورية، لست معنياً هنا في يوم تشييعه أن أفكر سوى بتلك الثقة التي كان يبعثها وجوده بيننا، كان يكفي أن يكون هناك على مكتبه أو أمام نافذته لنتأكد أن لدينا ذلك الاحتياطي العميق من النزاهة ونظافة اليد والشجاعة.أفكر برجل المشاة العنيد الذي قطع راجلاً سنوات النكبة في مواجهة كل شيء، المنفى والهزيمة والأنظمة وأيديولوجيا الآخرين ومكائدهم محصناً، فقط، بحنينه العميق وفطنة يديه.بهدوء وجد بلاغته الخاصة وببساطة حدد شاراته وواصل زراعتها دون أن يخسر حمولة الحنين، تلك التي تجعل من المقاتل طيباً وشجاعاً.لم ألتقه إلا مرات قليلة وضمن مجاميع ومحطات صاخبة، ولم أحمل من تلك اللقاءات ما يمكن أن أرويه، تلك خسارتي ولا يمكن تعويضها!.ولكنني أتذكر صورته عشية إعلان الدولة الفلسطينية في الجزائر وجه المحارب الذكي وهو على حافة البكاء!.أفكر بالرجل الذي جعل من اختلافه مع الأشياء نقطة توازن لها ومنطقة أمان مهيأة لمعارضيه، هكذا أحب أن أفكر به الآن أنا الذي لم يلتقه كثيراً وصافحه مرة واحدة في غرفة مقصوفة ممتلئة حتى حافتها بالغبار والتبغ والمقاتلين ورائحة الشاي وخشخشة أجهزة اللاسلكي حيث وصل فجأة وصافح الجميع دون أن يعرف انتماءاتهم أو يفكر بالسؤال حول ذلك، شرب شاياً من يد مقاتل من "فتح" وخرج.

مات واقفا وفيا لكل التراب الفلسطيني

مهند صلاحات
حكيم الثورة الفلسطينية، وطبيب الفقراء، الذي حمل منذ وعيه السياسي قضية فلسطين على عاتقه... كل فلسطين من البحر الأبيض إلى نهر الأردن... ومن السماء الزرقاء في الأفق، حتى عمق جذور شجر الزيتون الضارب بالأرض، فكل فلسطين الحكيم واحدة، غير قابلة للتقسيم أو التدويل.
مؤمناً بعدالة القضية التي صرف عمره لأجلها، واضعاً دوماً نصب عينيه ما يمكن أن يحقق لهذه القضية العزة والرفعة، وغير مقتنع بجدوى جني الثمار المبكرة كما فعل الآخرون حين تهافتوا كتّاباً، وصيارفةً، وعسكراً مستقيلين من معركتهم لتوقيع الاتفاقات المذلة مع العدو الصهيوني من أجل حفنة دولارات أمريكية وأوروبية مقابل، بعضِ مدنٍ محاصرةٍ أسموها دولة وسلطة.
من يعرف الحكيم حقاً يدرك تماماً ما معنى أن يظلَّ القائد في المقدمة، وأن يبقى المقاتل وفياً لمبادئه حتى أخر لحظة من حياته، وفياً للفكرة، للثورة، للبندقية، وللأرض، ولا تجزيء أو مرحلية لهذه العناصر التي تشكل في مجملها مبادئ الدكتور التي انطلق منها، وفلسطين تلمع صورتها في عينيه.
ولأن فلسطين الحكيم ليس كفلسطين الآخرين، البحث عن دولة وانتصار كاذب على حساب الشهداء والجرحى، فقد آثر أن يبقى يحتضن حنينه لها، على أن يفرض بذرة تراب واحدة منها بحجة القواعد الداخلية، فالحكيم، لأنه الحكيم كان يعلم أن الفكرة لا يمكن أن يمنعها سلك شائك، أو طائرة أو دبابة من الدخول لفلسطين من أي مكان بالعالم، فكان لأبناء شعبه الذين يثق بهم ثقته بعدالة قضيته الإنسانية.
لم يبحث عن انتصار، بحث عن تحرير الأرض والإنسان من ظلم ووحشية الإمبريالية الرأسمالية، فليس الهدف الدولة، بقدر ما هو الهدف الأسمى، الحرية، العدالة، المساواة لكل البشر دون تميز لعرق أو دين أو لون. ولأن العدو العنصري، والمساوم التاجر لا يقبلان بهذه المعادلة، فقد وقفت الرجعية العربية والفلسطينية يداً بيد مع الإمبريالية العالمية، والصهيونية أمام مشاريع التحرر التنويريه التي حملها الحكيم على عاتقه تحت شعار الدولة الديمقراطية العادلة لكل الناس.
لم يمت مشروع الحكيم، ولم تمت أحلامه، طالما هنالك حراس ثوار يحملون النور والبنادق والفكرة، ويحرسون أحلام الشهداء، وأحلام اليقظة للأطفال، أطفال غزة المطفأة الأنوار، والمشتعلة بنور الثورة للسير حتى شاطئ عكا، وليقول طفل غزيّ لليمائم هناك: هذا بحر فلسطين، بحر فلسطين الحكيم.
هي بالتأكيد تبكي الآن تلك "اللد"، المدينة التي انتظرتك كما انتظرت عودتك لها، وبكت لأن السلك الشائك والحنين بقيا يفصلان وصولك لها يوماً لتحتضن التراب، فكيف سنخبر "اللد" أيها الحكيم، ومن يجرؤ أن ينقل لها الخبر بأن أجمل رجالها، يموت بعيداً عن حضنها، ويدفن في تراب المنفى.
من سيسمح لنفسه بأن يكون ضحية نقل خبر الشهيد لأمه، ومن سيقبل بأن يكون سبباً في صراخ أمواج البحر ولطمها، ومن سيقبل منا أن يكون كإذاعة عربية تنعق ليلاً نهاراً بالخراب....
إني أسمعها الآن أمواج حيفا، ويافا، وعكا، وأسدود، والخضيرة، وأم الرشراش، وأم الربيع، وكل أمهات فلسطين، يلطمن على أنوائهن، واسمع من بعيد البحر الهائج. وحتى الشمس التي غابت خجلاً من أن نرى دمعها، هي الأخرى ستحضر لتودعك.
لماذا يا دكتور تموت الآن وسط هذا المنفى البعيد، وأين سنجد في هذا المنفى الممتد كالمحيط مكانا لندفنك فيه ؟. هل ستسامحنا اللد والرملة على فعلتنا هذه ؟. وهل سيغفر لنا البحر خطيئتنا بأننا لم نعيدك على صهوة الجياد لبيتك هناك ونزفك كعريس الزين، ونغني لكَ، ع الأوف مشعل، ميجانا، دلعونا، ويا ظريف الطول... يا ظريف الطول ارسم يا رسام صورة لفلسطين وصورة للقسام... وعيون الثوار والله ما بتنام !!
يقول الرفاق: لنأخذه للمخيم، حيث أحب أن يكون دوماً، وحيث قاتل لأجل أهله، هناك مكانه بين من عشقوه، ومات فيهم ولأجلهم، هم وحدهم فقراء هذي المخيمات يعرفون الحكيم كما تعرفه اللد.
لكَ الخلود، لكَ المجد، ولنا من بعدكَ في ظلمات هذي المنافي طول الشقاء.

لن يبقى في الوادي غير حجارته

سمير القنطار*
رفيق جورج... كم كان وقع الخبر ثقيلاً هنا في هداريم، حيث لخبر الموت طعم آخر.
كم «حكيم» لنا حتى ترحل أيها الحبيب؟ من سيصلح ذات البين في غيابك؟ وأنت القلق دائماً على مسار الوحدة الوطنية الفلسطينية التي ما شهدت انحرافاً ولا عبثاً وتقسيماً مثلما تشهده اليوم.
من سيكون حاضراً مع آلامنا؟ وأنت الذي حملت راية الدفاع عن الأسيرات والأسرى وحفظت جيداً «شيفرة» فك الأصفاد التي كتبها سجين على حائط أقبية المخابرات الأردنية في سجن العبدلي.

هل أخبرك عن أحمد؟ هذا الذي تسلّم الأمانة من الشهيد أبو علي مصطفى. أحمد الذي التحق بنا في سجن الصهيونية بعدما اقتادته أيدي الخيانة من سجن الإمبريالية في أريحا.
هل أخبرك عن عبد الرحيم؟ هذا الذي عانقنا قبل أشهر عائداً إلى السجن الكبير في رام الله، مصرّاً على أن نحفظ له سريره في هداريم لأنه لن يطيل الغيبة!
هي القصة نفسها يا جورج نعيد قراءتها ونحفظها عن ظهر قلب. قصة «الثورة التي قامت لتحقق المستحيل لا الممكن».
من يبحث عن المستحيل اليوم يا جورج؟
اليوم أفضل الممكن أن يهلّلوا لمجرم الحرب بوش، أن ينتشوا فرحاً لرقصة السيف المقزّزة في البحرين، لخيمة المضافة المذلّة في الإمارات، لوسام الشرف المفقود في السعودية.
اليوم أفضل الممكن أن نكسر جدار الجوع في رفح. أن نفرح للحصار بدل أن نحزن. حصار غزة الذي رغم بشاعته وقسوته وعنصريته وجبانته كان الترياق الذي أوقف سم التقاتل الداخلي والشتم الذي لا يتوقف عبر الفضائيات، وأعاد الأمل بجمع الشمل ولقاء الإخوة في السلاح والأعداء في تقاسم سراب السلطة.

جورج ليكن غيابك محطّة لحماية كل الثوابت التي أفنيت أجمل سنوات عمرك من أجلها. فلسطين الدولة الحاضنة لكل أبنائها في الوطن والشتات وعاصمتها القدس عروس المدائن وقبلة الأحرار. المقاومة خط ونهج ومسيرة كفاح لكل الثوار في فلسطين ولبنان والعراق وعلى امتداد العالم. التكاتف والتلاحم والصدق والوفاء والشجاعة في مواجهة قوى الأعداء، وقوى الإمبريالية العالمية، وقوى الاستسلام.
سلاماً لك ولكل الشهداء...
أنت قلت «الثوريون لا يموتون». نعم، أنت على حق. الثوريون يحتلون كل الأمكنة في أزقة المخيمات، في معسكرات التدريب، في أقبية التعذيب، يحيون هناك في الوادي الذي لن يبقى فيه غير حجارته.
جورج... الآن نطفئ كل الشموع ونستودعك. سنبكي لأن بسمتك الدافئة لن تستقبلنا يوم حريتنا.

* نقلها محاميه بعد زيارته في معتقل هداريم في فلسطين المحتلة

الإنسان، الأخلاقي، النبيل القلب

رشاد أبو شاور
القدس العربي
فيه كّل الصفات التي تميّز (الثوري)الكامل: الصدق، التواضع، الإخلاص، الحّب: حّب الوطن، والشعب، والأمّة...هو منذ البداية كبير، ولعلّه لإنسانيّته اختار دراسة الطّب.(الحكيم) ليست صفة كهنوتيّة،ولكنها تعود لكونه طبيبا،والثورة الفلسطينيّة احتاجت دائما للطبيب المداوي، لا سيّما مع استفحال الأمراض التي تفشّت مع البدايات، تلك التي أعجزت مناضلين مخلصين عن تخليص ثورتنا منها، وبتر من يفشونها ويعيدون إنتاجها.بتأسيسه حركة القوميين العرب، وصف العلاج لمأساة العرب في فلسطين، فتجاوز (الهزيمة) يكون بيقظة العرب، واليقظة لا تكون إلاّ بأصوات صادقة تشخّص المرض وتحدّد العلاج الشافي.الحكيم الذي تلقّن مبادئ القوميّة العربيّة من أستاذه قسطنطين زريق، واستقّي الكثير من فكر ساطع الحصري، حرص علي الانتقال بالفكر من التنظير إلي العمل، إلي البناء والتنظيم والحشد، بعد فترة (العروة الوثقي) التمهيديّة في الجامعة الأمريكيّة ببيروت . الحكيم قرع مع رفاقه المؤسسين حيطان التخلّف، ومع النخبة الأولي من المؤسسين، أطلقت (الدعوة) لتنتشر في بلاد العرب.الطبيب العائد إلي فلسطين، من لبنان ـ حيث كان يدرس الطّب في الجامعة الامريكية ـ قبل أن ينهي دراسته، مع احتدام الحرب عام 48، رأي مدينته تحتّل، وجرائم القتل الصهيونيّة تقترف أمام ناظريه بجيرانه وأهل مدينته، وظّل حتي آخر أيّام عمره يروي قتل الصهاينة لبعض شباب مدينة اللد، ومنهم جيرانه، بلا رحمة، وبدّم بارد.مشاهد القتل، والتشريد، والطرد، هي التي دفعت الحكيم لرفع شعار: الثأر.. الثأر من الصهاينة الوحوش الذين قتلوا ابن الجيران الشّاب أمام عينيه!.. والثأر هنا ليس ثأراً (بدويّا)، ولكنه ثأر أمّة من عدّو قاس آثم مجرم، وهذا لا يكون إلاّ باجتثاثه، وطرده من كلّ فلسطين، ودحر خطره الداهم علي الوطن العربي. الحكيم نبّه دائما إلي أن فلسطين ليست وحدها هدف الصهاينة، فأبعد قطر في بلاد العرب مستهدف، ولا يحميه بعده عن أرض المعركة مع الصهيونيّة. في البدايات كان معه: الدكتور أحمد الخطيب، والدكتور وديع حدّاد، وهو يصفه بالعملي والجيفاري، وآخرون منهم هاني الهندي، وهؤلاء شكلوا الخلايا الأولي التي انتشرت في بلاد العرب، داعية للنهوض القومي العربي، باسم (حركة القوميين العرب)، والتي أرادوها أوسع من حزب...من عرفوه مبكّرا، شهدوا له بالصلابة، والحيويّة، والمبادرة، ودائما: الصدق والإخلاص.قائد كبير قوميّا كان لا بدّ أن يلتقي بقائد الأمّة: جمال عبد الناصر، وتكريما له يستضيفه جمال عبد الناصر في بيته ليتناول معه العشاء، ثمّ ليلتقي به أكثر من عشر مرّات لتبادل الرأي في أحوال الأمّة.راهن جورج حبش القومي العربي، الذي رأي في وحدة الأمّة علاجا شافيّا لها من ضعفها، وتفككها، ومقدمةً لأخذ دورها مع الأمم العظيمة الحيّة، علي وحدة مصر وسوريّة كمقدمّة لوحدة عربيّة.صدمه الانفصال وتبدد الأمل، فهاله أن فجر فلسطين ابتعد بانهيار وحدة مصر وسوريّة، وأن قضيّة فلسطين مهددة بالظلام والتيه، فبادر مع رفاقه لتأسيس (شباب الثار) التنظيم الفلسطيني،صونا للقضيّة،وتمهيدا للشروع في الكفاح المسلّح،فالوحدة العربيّة لم تعد الطريق لتحرير فلسطين، ولا بدّ من التلازم في الهدفين: الوحدة، والتحرير.منذ عرفته سمعت: اسمع يابا.. هذه العبارة التي طالما خاطبني بها كانت تريحني، فهي أسلوب خطاب حميم مهذّب قريب إلي النفس.يابا، عندما يخاطبك بها رجل بوزن وقدر (الحكيم) جورج، ليست كما يخاطبك أحدهم مترفعا بغرور ووصاية واستعلاء: يا إبني ...يابا فيها مباهاة بالبنوّة الصالحة، فيها رضي الأب عن إبنه، فيها تبن بالفكر والسلوك.اعتدت أن ألتقيه في فترات متقاربة أحيانا، تتباعد بحكم الظروف ـ ظروفه حيث يعيش في مكان آخر، أو يعاني صحيّا، أو لاحتياطات أمنيّة ـ وبدعوة منه دائما.في دمشق، وعمّان، كان يأتيني صوت أحد الشباب القريبين منه: الحكيم بدّو يحكي معك.. ونتفق علي موعد يحدده هو بلطفه المعتاد.آخر مرّة في عمّان زرته بعد قرابة ثلاثة أشهر علي آخر لقاء، حدّثني عن مركز دراسات الغد الذي أسسه ويشرف عليه، وطلب منّي أن أقرأ خطّة المركز لنتداول الرأي حولها، في سبيل تطوير عمل المركز بعد أن قطع خطوات لا بأس بها.بحسب ما أعرف فهو، ربّما، القائد الفلسطيني الذي كان يقرأ بمواظبة، في الأدب، والفكر، والسياسة، والاقتصاد، ويتابع الكتابات الصحافيّة، رغم وضعه الصحّي...من ميزّات جورج حبش أنه إنسان دافئ القلب، حنون، مسكون بألم شعبه الفلسطيني، وهذه صفات افتقدناها مع استشراء ( البراغماتية) ـ أي المصلحيّة والأنانيّة، وافتقاد المعايير ـ التي باتت علامة فارقة لكثير من القادة الفلسطينيين المزمنين.كنت أحرص خّاصة بعد (مرضه) أن لا أثقل عليه بالشكوي من الأوضاع الفلسطينيّة، ولكنني كنت استجيب لأسئلته، فأجدني وقد تورّطت في الانخراط في الحديث عن السلبيات، و.. أتنبه فجأةً إلي انهمار دموعه وهو ينفّض رأسه كأنما يطرد كابوسا، ثمّ يمّر براحته علي وجهه وعينيّه محاولا إخفاء الدموع النبيلة .جورج حبش يتذكّر الراحلين فيبكي، فهم في قلبه أحياء، إنهم ليسوا أرقاما كما في ( لغة) بعض القادة الفلسطينيين: قدّمنا كذا شهيد، ضحينا بشلال دم ..لمّا كنت أورد بعض الطرائف،والنكت، لتخفيف الهّم، كان يضحك من كّل قلبه...في بداية الانتفاضة الكبري أرسل لي. سألني:ـ لو كان ناجي العلي حيّا تري ماذا كان سيرسم ؟أجبته:ـ يا حكيم ،ولكنه رسم الانتفاضة، رسم المخيمات، غضب الشعب، رماة الحجارة، ضاربي الخناجر ...أحني رأسه قليلاً، وساد صمت. فرد راحة يده اليسري ـ يده اليمني أثقلها المرض ـ ومررها علي الوجه، كأن الوجه كلّه تبلل بالدموع حزنا علي فنان الشعب والقضيّة، فنان أوجاع الأمّة وغضبها وقهرها: ناجي العلي...الحكيم جورج هو رجل قيم، ومثل، وأخلاق، ولذا أخذ مكانته فلسطينيّا، وعربيّا، بهذه القيم، بعناده كمناضل استثنائي، بجرأته، بقدرته خطيبا مفوّها صادقا قريبا إلي العقول والقلوب ...الحكيم جورج لم يغدر برفاقه، ولا رشاهم بالمناصب، ولا أغدق عليهم المال، فهو لم يكن يتدخّل في الشؤون الماليّة نافحا هذا امتيازات ليكسر عينه، ويستتبعه، مشتريا ذمّة ذاك ليضعه تحت إبطه!عاش متواضعا، أقرب إلي المتصوّف، منسجما مع فكره، ومع المثل التي حرص علي زرعها في نفوس رفاقه،إن في حركة القوميين العرب، أو في صفوف الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين.تلاميذه ومريدوه في أوساط الشعب الفلسطيني، والأقطار العربيّة، يلحّون علي مناقبيته، ويرون أنفسهم اقرب إليه من كثيرين حسبوا عليه، وهؤلاء هم الذين، مع المخلصين مّمن سيواصلون حمل الأمانة بعده في صفوف الجبهة، سيصونون فكره وتراثه، وسيلحّون علي التمسّك بالقيم التي ترسم سمات شخصيّته الثوريّة النادرة، والتي لا بدّ منها لتصحيح مسار الثورة الفلسطينيّة .في مطلع السبعينات، والثورة الفلسطينيّة تبهر العالم، وضعت مجلّة أمريكيّة صورته ـ لعلّها مجلة لايف ـ علي غلافها مع عبارة: أنا لست أرثذوكسيّا.قصد الحكيم أن يقول: أنا لا أنتمي لطائفة، هو القومي العربي، المعتزّ بثقافة الإسلام التي تشكّل جوهر الثقافة العربيّة.الحكيم الذي ودعناه في الكنيسة الأرثذوكسيّة في عمّان، هو عربي ، مسيحي، فلسطيني،أممي.وهو عندي: أرثذوكسي الثورة.. فلا تنازل عن فلسطين، ولا يئس من نهوض الأمّة ووحدتها، ولذا استحقّ أن يهتف السائرون وراء نعشه:فلسطين عربيّةلا حلول استسلاميّةعلّمنا الحكيم وقالبعدي واصلوا النضال.

الحكيم عندما يترجل

عبد الباري عطوان
القدس العربي
برحيل الدكتور جورج حبش، يكون الستار قد اسدل، وبشكل نهائي، علي كوكبة من فرسان هذه الأمة، الذين بعثوا الامل فيها، وتمسكوا بثوابتها الوطنية، وارادوا لها مكانة متميزة بين الأمم.حتي اللحظات الاخيرة من حياته، ظل الدكتور حبش متفائلا بقدرة هذه الامة علي النهوض من كبوتها، مؤمنا بحتمية وحدتها، منتصرا لقضاياها، منحازا الي الضعفاء في مواجهة الاقوياء.اسس أكاديمية عمادها التواضع، واحترام الذات، ونظافة اليد واللسان، واتباع ارفع انواع التهذيب في المعارضة السياسية، والابتعاد عن المبالغة، والتمسك بالصدق والحرص علي الثبات والمصداقية في القول والموقف معا.عاش حياة متواضعة في احد احياء العاصمة الاردنية عمان، يتلقي معاشا شهريا مقداره 300 دولار امريكي من الجبهة الشعبية، ولم يسجل مطلقا في كل ادبيات الجبهة انه طلب شيئا خاصا لنفسه او لأسرته، وانا اعلم شخصيا انه لم يكن يملك المال الكافي لإعداد مذكراته والاستعانة بباحثين لمساعدته علي انجازها ونشرها بالشكل المطلوب، وتصنيف الوثائق المتعلقة بها.سيدخل الدكتور جورج حبش التاريخ العربي ليس لانه مؤسس حركة القوميين العرب، والجبهة الشعبية جناحها العسكري، وانما ايضا كزعيم ترجل من سدة القيادة لافساح المجال امام اجيال جديدة لتأخذ دورها وتتحمل مسؤوليتها. فالرجل لم يعتزل القيادة في العام الفين، وانما قبلها بكثير، حيث كان يطالب صادقا، في جميع مؤتمرات الجبهة في السنوات العشر التي سبقت اعتزاله، بإعفائه من القيادة، ولكن جميع طلباته قوبلت بالرفض. لقد اسس سابقة، ونموذجا في العملين الثوري والحزبي، سيظلان ماركة مميزة له، تؤكد فرادته بين اقرانه.ہپہپہلم يهادن الأنظمة العربية والديكتاتورية القمعية منها علي وجه الخصوص، ونأي بحركته عن المناصب والانقلابات، وفضل ان تظل دائما حركة قومية مقاتلة، ترتكز علي رصيد هائل من القيم والمباديء الاخلاقية، بعيدا عن الماديات، ومغريات السلطة.ربما يجادل البعض بانه كان رومانسيا حالما، وان حركته كانت نخبوية مثالية، لم تقرأ المعادلات الاقليمية بشكل صحيح، ولهذا لم تضرب جذورها في عمق الطبقات الشعبية، ولم تصل الي قاع المجتمعات العربية، علي عكس الحركة الناصرية مثلا، وربما ينطوي هذا النقد علي بعض الصحة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو عما اذا كانت الانظمة الاقليمية قد سمحت لها بان تنمو وتتطور وهي التي نصبت اسوارا شائكة لإبعادها عن القاعدة، وزجت بالكثير من ابنائها، اي ابناء الحركة، في السجون والمعتقلات، وأسست، ومولت، حركات مقاومة لتخريب العمل الفدائي الفلسطيني، وتشتيته، بل وحرفه عن اهدافه الحقيقية.ورغم ان الدكتور حبش لم يدخل في المؤامرات والانقلابات مثلما فعلت احزاب قومية اخري، الا انه لم يسلم من مؤامرات وانقلابات هذه الانظمة التي زرعت بعض رجالاتها في حركته وجبهته، ونجحت في شق صفوفها، واستنساخها في اشكال متعددة بعيدة عن الاصل ومنطلقاته ومبادئه، ومن المفارقة ان جميع هذه المؤامرات جاءت من قبل انظمة ترفع راية القومية العربية وتتبناها كشعار جماهيري.ہپہپہاختلف الدكتور حبش كثيرا مع رفيقه وخصمه ياسر عرفات، وكان المجلس الوطني الفلسطيني ساحة نزال ساخنة بين الرجلين، الاول يمثل توجها تصالحيا مع الانظمة، وقراءة واقعية للمعادلات الدولية حسبما كان معروفا عنه، والثاني كان صاحب مدرسة نضالية، لا تساوم علي الحق، ولا تبدي اي مرونة مع الاعداء، ولا تفرط بالثوابت، او ببعض منها ولو من قبيل التكتيك.هذا الخلاف بين الرجلين هو الذي حفظ التوازن في الساحة الفلسطينية، وأطال في عمر منظمة التحرير وعزز صلابتها، وأبقي علي الحيوية والديناميكية في العمل الفلسطيني، وقدم مثلا في التعايش تحت سقف الشرعية النضالية في محيط عربي مضطرب، وفي مواجهة عدو ربما يكون هو الاكثر شراسة في التاريخ الاستعماري الاستيطاني.لم يخوّن جورج حبش مطلقا خصمه ياسر عرفات، ولخص بعبارته الشهيرة التي اطلقها في المجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر، طبيعة العلاقة معه عندما قال مخاطبا إياه ويلي منك وويلي عليك . وكان بليغا في خصومته مثلما كان عظيما في محبته. فللخصومة اخلاق في قاموسه، وكان فعلا مضرب المثل في ذلك.ثلاث محطات رئيسية في مسيرة الدكتور حبش لا يمكن تجاهلها، اولاها معارضته الشرسة لاتفاقات كامب ديفيد التي وقعها الرئيس الراحل محمد انور السادات، وثانيتها معارضته الاشد لاتفاقات اوسلو التي وقعها الرئيس الراحل ياسر عرفات في ايلول (سبتمبر) عام 1993، وثالثتها معارضته الحرب الامريكية علي العراق في فصليها الاول والثاني.ہپہپہبوصلته كانت دائما مصلحة الأمة، والوقوف في خندق اعدائها، والادارات الامريكية المتحالفة مع العدو الاسرائيلي علي وجه الخصوص، ولم تخطيء بوصلته ابدا، فقد مزقت اتفاقات كامب ديفيد الصف العربي، وسجلت اتفاقات اوسلو سابقة اعتراف فلسطيني مجاني باسرائيل قاد الي كوارث جمة وما زال، اما الحروب الامريكية في المنطقة فقد دمرت العراق، ومزقت وحدته الوطنية، وقتلت الملايين من ابنائه حصارا واحتلالا، وكادت ان تطمس وجهه العربي.رحم الله الدكتور جورج حبش حكيم الامة العربية، الذي جاء من رحم المعاناة الفلسطينية، ليجعل منها ركيزة نضالية للوصول الي الهدف الأسمي الا وهو الوحدة العربية الشاملة علي اسس الكرامة القومية المتسامحة.انحاز الحكيم دائما الي الفقراء الذين فتح عيادة مع زميل دربه وديع حداد في مخيمات عمان لعلاجهم، وسيحل اليوم ضيفا الي جانبهم في مقبرة الشهداء رفاق مسيرته النضالية.