حمادة فراعنة
الأيام
رحل الحكيم جورج حبش، كواحد من الكبار الذين تركوا تراثاً كفاحياً على الـمستويات الوطنية والقومية والأممية، وفصيلاً سياسياً نشيطاً في مواجهة الـمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، ومن أجل إزالة الظلـم والاحتلال عن شعبه الفلسطيني، وفي سبيل العدالة والحرية والـمساواة وحقوق الانسان، وهو بذلك التراث وهذا الطموح، ساهم في وضع قضية شعبه على سكة الوصول بعد شوط من الـمحطات، محطات التضحية والتصادم والعراك السياسي، استعاد خلالها شعب فلسطين هويته، وغدت له الأولويات والاهتمام الدولي، والتضامن مع عدالة قضيته ومشروعية نضاله، وفتحت له آفاقاً لـمواصلة الشوط حتى نهاياته الـمظفرة، طالـما أن مدرسة الحكيم منتجة ومثمرة ولها قاعدة جذب من قبل الأجيال الفلسطينية الـمتعاقبة.جورج حبش سبقه قادة كبار، قضوا نحبهم، من مستوى ياسر عرفات وأحمد ياسين، وأطال في عمر نايف حواتمة وأحمد جبريل، تتفق معهم أو مع أحدهم او تختلف، ولكن الـمراقب الـمنصف لا يستطيع إلا الإذعان أن هؤلاء ومعهم كبار قضوا على الطريق بدءاً من غسان كنفاني وأبو علي مصطفى وخليل الوزير وصلاح خلف وطلعت يعقوب وفتحي الشقاقي وأبو العباس وخالد الحسن وعبد العزيز الرنتيسي وغيرهم العشرات الذين أضاؤوا الطريق السياسي والفكري والكفاحي لشعب يتطلع للحرية والكرامة واندمجوا حتى الانصهار مع قضية شعبهم حتى غدت حية تستحق الاهتمام والانتصار.جورج حبش من القلائل الذين ربطوا القضية الوطنية بالكفاح القومي وبالنضال الأممي، ترابط دلل على معدن الرجل وديناميكية تفكيره وماهية خياراته واتساع آفاقه، متوسلاً توسيع شبكة علاقاته وشعبه على الـمستويين القومي والأممي وتوظيفها لـمصلحة كسب الـمزيد من الأصدقاء لقضية شعبه الفقير محدود الامكانيات في مواجهة عدو متفوق سكانياً وعسكرياً وتكنولوجياً واستخبارياً وصاحب إمكانات اقتصادية مالية كبيرة ونفوذ سياسي هائل عالـمياً.الحكيم كان مناكفاً للرئيس ياسر عرفات طوال شراكتهما الكفاحية، حيث شكل أداة رفض وضغط في وجه سياسات ياسر عرفات، ولكنه تميز مع رفيقه أبو النوف أمين عام الديمقراطية أن كليهما انطلق في تعامله مع ياسر عرفات ومع الـمتغيرات الفلسطينية، سواء معارضة أو تأييداً، بروح ودوافع استقلالية ووطنية، ولـم تكن بدوافع الارتباط أو التأثير مع أو من أي جهة غير فلسطينية، ولذك كانت الجبهة الشعبية مع الجبهة الديمقراطية صمام الأمان لحماية الوحدة الوطنية والائتلاف السياسي الذي يقود منظمة التحرير، وكذلك لحركة فتح ومعها في كافة الـمحطات الصعبة، وعلى أرضية هذه الـمناكفة والـمعارضة ومن موقع الحرص وعدم الاندفاع وقف الحكيم ضد إتفاق اوسلو التدريجي الـمتعدد الـمراحل، ولكن الجبهة الشعبية استفادت من عبقرية ياسر عرفات ومن اتفاق اوسلو، واستثمرته لإعادة قيادات وكوادر لها إلى الوطن مع العائدين برفقة ياسر عرفات وكان في طليعتهم أبو علي مصطفى وعبد الرحيم ملوح وعزمي الخواجا وجميل مجدلاوي وغيرهم الـمئات من مناضلي الجبهة الذين رفدوا الوطن بالخبرة وصلابة التجربة واتساع الـمدارك والـمعرفة.الحكيم قبل رحيله تحدث عن الدولة الديمقراطية التي تجمع الشعبين كحل للصراع الفلسطيني الاسرائيلي، على قاعدة الـمساواة والتكافؤ بعيداً عن التمييز والعنصرية والاضطهاد، وهو بهذا الخيار وبهذا الـمعنى، لا يقدم حلاً ديمقراطياً فحسب، بل يدلل على مدى اتساع ذهنه وصفاء تفكيره وابتعاده عن التعصب والحقد القومي، لأن أرض فلسطين كانت دائماً للـمسلـمين والـمسيحيين واليهود، ولـم يعرف شعبها التعصب وعدم الانفتاح، ولـم تكن لطرف أو شريحة دون أخرى هكذا كانت وهكذا ستبقى، وقد هزمت كل الـمشاريع التي كانت تستهدف الاستئثار بها كأرض وموقع مقدس لدى الديانات السماوية الثلاث.جنازة الحكيم في عمان، كانت مميزة، فقد ضمت ممثلي الشعب الفلسطيني باضلاعه الثلاثة، من الـمنافي والشتات، ومن مناطق 48 وكذلك قادة السلطة ومناطق 67، وضمت الـمسلـمين والـمسيحيين، ومن الرجال والنساء، ومن كافة الفصائل الفلسطينية والأحزاب الأردنية، وعدداً من الشخصيات العربية في مقدمتهم محسن ابراهيم الشخصية اللبنانية البارزة، في لـمة تدلل على مكانة الرجل ورسوخ موقعه في ضمائر الناس والطليعة.