Saturday, February 16, 2008

وداعاً أيها الحكيم...الحكيم

سميح القاسم
موقع الجبهة الشعبية
أخي ورفيقي... وصديقي الراحل المقيم، الدكتور جورج حبش تحية العروبة، وبعد، يوم تحققت زيارتي الأولى في دمشق، أطلعني إخوتي ورفاقي السوريون على برنامج الزيارة، وسألوني عن تعديلات أقترحها، قلت: أريد مقابلة جورج حبش.
قالوا بأسى:إنه مريض يتلقى العلاج في عمان..وحين التقيت رفيق دربك وأخاك" أبو علي مصطفى"، فقد قالها ببساطة وبعفوية نادرة: حين يمرض"الحكيم" فإننا جميعاً نحسّ بالمرض..ولم يكتف الإسرائيليون بمرض غيابك الذي أصاب أخاك ورفيقك"أبو علي مصطفى"، بل أوغلوا في حقدهم حتى اغتيال حامل رايتك، واعتقال أحمد سعدات لانه أصرّ على بقاء الراية عالية خفّاقة..كان لا بدّ من أن نلتقي، والتقينا في عمان، وحين كنت تعانقني على باب مضافتك، أو ما يسميه العامة(صالون منزلك)، فقد التقطت عيني منظرا لا أنساه، بل لا أذكر شيئاً سواه من "ديكورات" مضافتك..في صدر الديوان، وعلى موقع عالٍ كان مجسَّم كامل الهيبة والأبهة والمعنى، لقبة الصخرة المقدسية المشرفة..وحين سمعت نعيك على شاشة التلفزيون الفلسطيني، فقد بدت لي صورة قبة الصخرة في زاوية الشاشة اليسرى، وكأنها صورة المجسَّم الذي زينت به صدر مضافتك.ولأنك لا تحب الكلام إلا في قضايا الوطن وهموم الشعب وشجون الأمة والعالم، ولأن هذا الوقت لا يبدو مناسباً لطرح المسائل الشخصية، فلن أسألك عن أحوال الرائعات هيلدا والكريمتين والأقارب والرفاق والأصدقاء، سأترك الأسئلة الشخصية لموتنا القادم.. أما الآن فسأكتفي بمخاطبة العالم: هنيئاً لك أيها العالم فها هي فلسطين تموت بالتقسيط المريح.. هنيئاً لك وشكراً جزيلاً..ولأن الشؤون الشخصية كانت وما زالت ثانوية وهامشية في حسابات همومك، فلن تسألني عما يقوله الإسرائيليون في موتك.. ولا بأس عليك، لا بأس علينا، فهم يعلنون رحيل"دكتور الارهاب" جورج حبش، وكل البأس عليهم لأنهم لم يفقهوا أن تسميتك" بالحكيم" في أدبياتنا، لم تقتصر على تسميتنا الشعبية للطبيب بالحكيم، بل تعدتها إلى معنى"الحكمة" الفكرية والسياسية التي طبعت ذهنك ومّيزت ممارستك.. ولعلك تعلم أن أخاك ورفيقك وصديقك"اللدود" ياسر عرفات شهيد الشعب والوطن والقضية، كان أشد الناس اعتزازاً بحكمتك، ومن أكثرهم إهتماماً بتقديمها دليلاً على حيوية هذا الشعب، شعبنا الذي قرر أن يتخطى النكبة ويتحدى اللجوء بإرادة الحرية والاستقلال وتقرير المصير.. ولن ينسى لك هذا الشعب، تأكيدك الشجاع والمثابر على ضرورة تغليب"المصلحة الوطنية العليا"والاحتكام الى"المنطق الثوري" واحترام حق التعددية والالتزام بالحسم الديموقراطي..أخي ورفيقي، حين ننعتك بالقائد التاريخي، فليست هذه مجاملة لموتك، بل إنه الاعتراف الواجب بدور شاب في مقتبل العمر يدرس الطب ويؤسس لحركة القوميين العرب، ثم يمارس الطب والكفاح ويؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في ظرف صعب آخر من ظروف شعبنا الصعبة كلها..لأن المقاومة المشروعة هي في عرف الاحتلال ضرب من ضروب الإرهاب فقد عرَّفك المحتلون بالإرهابي، دون أدنى احترام إنساني لمشيئة إنسان شُرّد عن مسقط رأسه على أرض اللد والرملة، ليشيّد الغزاة على أرضه مطاراً..وما دمنا نتبادل هواجس الألم وشؤون العذاب، فلأروِ لك هذه"الطرفة".. قبل أعوام كنت مسافراً إلى مؤتمر في العاصمة البلغارية صوفيا بصحبة رفيق يهودي هو الپروفيسور كالمان ألتمان ... وبطبيعة الحال فقد تعرّضت لحملة تفتيش دقيق ومهين.. طلب إليّ رجل الأمن الإسرائيلي أن اخلع حذائي لفحصه"بأشعة رنتغن" كما يبدو، وإزاء الإهانة تملكتني شهوة الأنتقام، فقلت لرجل الأمن: ومنذ متى يضطر زائر جورج حبش لخلع حذائه؟....تساءَل رجل الأمن: وما علاقة جورج حبش بالفحص الأمني هنا؟...قلت أعتقد أن هذا المطار مبنى على أرض جورج حبش، ولعلكم تريدون تقديمي إليه في مضافته هناك في تلك القاعة!!واستشاط رجل الأمن غضباً، وراح يشتمني ويشتمك، فتدخل الرفيق كالمان ألتمان، فدفعوه جانباً، وأصروا على أن أخلع حذائي لفحصه" بجهاز الكشف عن المعادن"، كما يبدو..وطوال الرحلة من المطار المشيد على أرضك إلى العاصمة البلغارية صوفيا، والپروفيسور كالمان ألتمان يتمتم من وقت لآخر: صعبة جداً، صعبة جداً الحياة مع هؤلاء!ولأنك يا أخي ورفيقي من أبرز المفكرين الذين أتقنوا معادلة المصالحة والانسجام بين القومية والأممية، فلا شك لدي في أنك تبتسم بألم إزاء هذه" الطرفة" الفادحة..إبتسم بألم يا جورج حبش، وابتسم بمرارة. كما تشاء،إنما من حقك أيضاً أن تبتسم لراحة ضميرك في موتك العارض... فهذا الشعب كله يعرف وعيك وعنفوانك وصدقك ونبل أخلاقك ونظافة يدك وطهر قلبك.. ولعلك سمعت،إذا كان الموتى يسمعون، هتافات أحبائك في الضفة وفي القطاع:يا هنيّة ويا عباسوحدتنا هّيي الأساسولعلك سمعت، إذا كان الموتى يسمعون، هدير أنصارك وعارفي فضلك، في ميادين فلسطين وأزقتها، حين بلغهم نبأ رحيلك المرهق:جورج حبش ما بيموتلو حطيتو في تابوت..وهل لي أن أعزيك، بما أنا في أمس الحاجة إليه، من العزاء؟ فليكن. ولعلّ شيئاً من العزاء في أن صورة قلبك ستظل نابضةً في قلب شعبك... وأن رسالتك الثورية الشريفة العنيدة، رسالة الحرية والاستقلال وتقرير المصير، غير قابلة للموت، أو أنها غير مستعدّة للموت وغير مهيّأة له..ولنعترف بأن حياتنا كلها صعبة... وكم كانت حياتك صعبة عليك.. وكم هو موتك صعب علينا!ولأنني مرهقٌ بحياتي ومرهقٌ بموتك، فلك أن "تشخّص" وجعي أيها الحكيم"الحكيم".. ولك أن تعذر كلماتي الأخيرة فيك، على سمع العالم وتحت بصره: هنيئاً لك أيها العالم الوبش..هنيئاً لك الموت الفلسطيني بالتقسيط المريح... وشكراً لك أيها العالم الوبش..شكراً جزيلا"..

Saturday, February 9, 2008

جورج حبش: القديس

أسعد عبد الرحمن
القدس
بفضل "غلطة" طبيب، علمت ذات يوم "أسود" أنني مرشح للرحيل "قبل" الأوان! هل اكذب فأقول أنني لم أخف؟ لم أكترث؟ لم أغضب؟؟ لم أشفق على نفسي؟! الحق الحق أقول لكم: لقد شعرت كل هذا وغيره في لحظات قياسية. وكان أول ما بدر لي، عندئذ، فكرة المسارعة إلى "تنظيم" وقتي وأوضاعي تمهيدا لما هو ... آت! أي أن أرتب شؤون حياة عائلتي الأقربين (وهم بالمناسبة أصدقاء حميمين) وأحوال بعض الأصدقاء الآخرين بحيث لا يغدر بهم "الزمن" كما حدث مع الأحباء "س" و"ص" و"ع" (إلى آخر حروف كل اللغات)!! وما كدت اطمئن إلى وجاهة الفكرة الأولى حتى زارتني فكرة ثانية لطالما أرّقتني في أوقات سابقة في مناسبات الموت .. والحياة! فاستخلصت: جيد أن يرحمك الله فتموت قبل أحبائك، فتنجو من "موت" حزنك عليهم، بعد أن سبق وصعقني موت من مضى من الأحباء في الماضي البعيد والقريب. ومن منظور الباحث بألم عما هو إيجابي في الموت، أصبح ما قاله لي الطبيب عن "بداية" رحيلي "الوشيك" أمرا جيدا، ولربما جيد جدا أو ممتازا. أوليس أمرا ممتازا أن تنجو من انفطار قلبك وأنت تشهد –لا قدر الله- موت أمك، زوجك، بناتك، ولديك، والنادر النادر من الأهل/الأصدقاء والنادر النادر من الأصدقاء/الأهل؟! وقد كنت والله –يا "حكيم"- واحدا من هؤلاء، بل في المقدمة. وهاأنذا –اليوم- أموت ... معك! أقلّها أن جزء مما تبقى من كياني قد مات فعلا معك بعد ان سبقك أحباء آخرون (منهم شقيقتي جمانة، ووالدي، وكوكبة من شهداء القضية والأمة) إذ مات، مع رحيل كل واحد منهم، جزء مني وأعجب كيف –بعد- لم أتلاشى!
وعن صداقتنا الاستثنائية، وبخاصة في السنوات الأخيرة (ضمن 44 عاما من المعرفة والرفاقية المباشرة ثم الصداقة الشخصية) لا أحد يعرف عن ذلك أكثر من: زوجك، وابنتيك، ومرافقيك، وكل من كلفته الأجهزة الأمنية الأجنبية والعربية مراقبتك، إضافة طبعا إلى ثلة من بعض أهلك وأصدقائك، وفي الطليعة منهم رفاق لك في "الجبهة الشعبية" أو في "حركة القوميين العرب". وحقا، كانت صداقة السنوات الأخيرة هي الأرقى في نظري لأنها شكلت سنوات "البوح الحقيقي" حيث لم تنهش أي "حسابات" سياسية أو إنسانية، أو أي "محظورات"، من الشفافية شبه المطلقة في أحاديثنا! وكم أكرمتني يا "حكيم"، بابتسامة ولا أرق، أو بضحكة ولا أروع، أو بحركات تقاطيع الوجه ولا أبلغ، ونحن "نستغيب" هذا القريب أو الصديق، هذا الزعيم أو القائد أو الحاكم أو الرفيق! وكم أكرمتني يوم انتقدتني –أكثر من مرة- في موقف كنت قد اتخذته أو في فكرة طرحتها، فأقصى درجات الكرم أن يصدق الصديق صديقه. لكنك أكرمتني اكثر، وبما لا يقارن، حين شاركتني حقيقة مشاعرك تجاه من أحببت شخصيا ومن لم تحب ("بيننا يا أسعد" – لطالما ذكرتني محذرا) ثم صعدت إلى أقصى ذروة في الاحترام عندي حين "اعترفت" بأخطاء كبيرة وصغيرة ارتكبتها، ممارسا أمامي –بشجاعة لا نظير لها- "النقد الذاتي" الذي علمتنا! وفي هذا كله، كم كنت كبيرا ... كبيرا.
غير ان "مشكلتي" الحقيقية معك كانت دوما في كونك "قديسا". طبعا، في الدين المسيحي، "البابا" أو "المجمع المسكوني" وحدهما القادران على ان يهبا أو يمنحا لقب القديس لأي من أبناء الرعية، غير أنني –وغيري كثيرون- رأينا فيك قديسا! ولربما كان هنا أصل "مشكلتي" (وغيري) معك. فالقديس يمكن أن يكون وطنيا، بل هو بالضرورة كذلك. والقديس يمكن أن يكون قائدا أو ملهما، بل هو بالضرورة كذلك. غير أن القديس لا يستطيع أن يكون "سياسيا" بارعا أو فهلويا مراوغا أو مناورا ناجحا. فأخلاق القديس لا تستقيم مع أخلاق الناس العاديين: السياسي أو رجل الأعمال وغير ذلك من مهن كثيرة. ولذلك، لم تكن مسيرتك في عالم السياسة ناجحة بقدر ما كانت عليه في عوالم أخرى تجلت فيها صفات "القديس": الإيمان بالمثل الأخلاقية العليا، العفة في القلب واللسان والجيب، النقاء، الحساسية الإنسانية المرهفة، الشفافية، الصدق، الشجاعة، الفداء (أولم يكن السيد المسيح هو الفدائي الفلسطيني الأول؟) فطوبى لك، طوبى لك، طوبى لك

الـحـكـيـــم آمن أن حكاية العنقاء الفلسطينية ليست خرافة

محمد بركة
الاتحاد
اصطفت الأسماء تحمل على كواهلها تاريخ الثورة في الكنيسة الجميلة المرصعة برسومات القديسين في عمان.. لتلقي التحية على ضمير الثورة الذي لن يغادرها...إن الشعب الفلسطيني خرج من الوطن إلى النكبة.. تتقاذفه الأنواء والوصايات...ثم خرج من النكبة ليدخل في الثورة على الأنواء وعلى اللجوء والقهر والوصايات..في بدايات الطريق الى الثورة كان أبو عمار يحمل العلم.. وكان الحكيم أيضا قد حمل العلم.. وكان كثيرون...أبو عمار.. لم يكن هناك في عمان.. ولكن كان الكثيرون.. الذين وقفوا على رأس مسيرة الثورة التي تقدمت.. وسطعت.. وتعثرت وخبت.. قامت من الرماد نحو الدولة... سقطت في هاوية الفتنة وستقوم حتما من الاحتلال والحصار وأوهام الأمارة إلى الدولة والعودة...الحكيم- اليساري الجذري- كان يؤمن بحتمية اعتدال الميزان وإن ادلهمت الخطوب.. وما أعتمها يوم رحيله.. من ظلام الاحتلال في غزة.. إلى ظلم ذوي القربى.. إلى عروبة متعثرة مشغولة بكراسي الحكام... إلى كذبة امبريالية مجرمة زجّت بأعدل قضية في أقذر خانة..ما أعتمها يوم رحيله.. حصار الوطن المسلوب واللجوء والنفط والدولار والفتنة... تكالبت كلها على الشعب العنيد..الحكيم يؤمن بحتمية اعتدال الميزان.. وأن العنقاء ليست خرافة... فالشعب الذي خرج من رماد النكبة... سيخرج حتما من ظلام المرحلة...الحكيم كان متحيزا لشعبه ولأمته، وكان انسانياً ويسارياً بكل جوارحه..في يوم وداعه جمع الحكيم أبناء شعبه من كافة أماكن تواجده.. وجمع رفاقه.. الذين التقوا يوماً... وافترقوا.. ليلتقوا ثانية عند نعشه ليوحدهم في وداعه وفي تقدير دوره...في يوم وداعه كان الكل يعزي الكل: أهله يعزون رفاقه.. ورفاقه ومريدوه يعزون أهله ورفاقه ومريديه..التقيناه قبل سنوات عديدة في عمان.. فكان اللقاء بالنسبة لنا لقاء مع أحد أهرام فلسطين... لقاء مع تاريخ كان متنكرا في زي شخص واحد...كنا مجموعة رفاق من مدن وقرى مختلفة.. فأزدحمت في اللقاء مسميات الوطن وكما هو الحال في مثل هذا المقام بدأنا بتعريف أنفسنا وأنا أحدق في الحكيم الباشّ المنفعل الدافئ العميق قال أحدنا: أنا فلان من الناصرة والثاني: أنا من حيفا والثالث من أم الفحم.. ومن يافا ومن البروة ومن صفورية... ومن شفاعمرو...وكلما تقدم التعريف عند شخص آخر منا ،كان توتر ما يلح على جبهة الحكيم.. حتى ضج وجدانه بمسميات البلاد.. حدقت فيه فرأيت قلبه دموعا منهمرة.. لأن قلبه كان طافحا بفلسطين... ففاض دمعا في حضرة رائحة الوطن...كان انفعاله متمما لتحليله العميق... وتحليله للواقع السياسي مجبولا ومجدولا بحبه لوطنه... وحنينه إليه...حدثنا عن الحل... وعن الثورة وعن الآفاق السياسية.. توقف عند نضالنا نحن أبناء شعبه في الجليل والمثلث والنقب والساحل.. توقف بإعجاب ومحبة عند يوم الأرض.. وعند الدعم والإغاثة للانتفاضة الشعبية الأولى، وعند الدور التاريخي للحزب الشيوعي في صيانة البقاء والهوية، وطال الحديث، وقصُر الوقت.لم نتفق مع الحكيم في كل شيء، ولكننا لم نختلف على كل شيء.. إنما اتفقنا على الأساس:على الحرية والتقدم والدولة والعودة..بطبيعة الحال نحن نعرف مواقف الجبهة الشعبية ونعرف مواقف الرفيق جورج حبش... وعرفنا لاحقا حجم المعاناة التي رافقته مع رفاقه بعد اتفاق عمان والتصدع الذي لحق بالحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية.. وهو المتحيز بكل جوارحه للوحدة الوطنية الفلسطينية.. التي لم ير فيها أحد بنود المشروع الوطني.. إنما المقدمة الشرطية للمشروع الوطني.. لكنه رأى مع رفاقه في اليسار الفلسطيني.. وبحق، في اتفاق عمان، تهديدا خطيرا للمشروع الوطني الفلسطيني.ويحق لنا اليوم أن نسجل ما نعرفه من رفاقنا في الحزب الشيوعي وما نعرفه من أصدقائنا في م.ت.ف. أنه عندما فتحت أبواب استعادة الوحدة في م.ت.ف.، التي لم يدخر رفيقنا الكبير توفيق طوبي ورفاقه جهداً لفتح هذه الأبواب وللمساهمة في وضع الأسس لاستعادة هذه الوحدة، كان اليسار الفلسطيني والرفيق جورج حبش من المتحمسين لعودة اللحمة- الوحدة.لقد سمعت من رفاق دربه كيف كان يحارب على مواقفه في إطار م.ت.ف. لكنه لم يطعن في شرعية القرار الذي اتخذ بمعارضته لحرصه على الوحدة الوطنية.واشهد على الملأ أنني سمعت من الرئيس الشهيد ياسر عرفات كلاما في الحكيم يعبر عن محبة وتقدير كبيرين حتى تمنى لنفسه معارضين صادقين مخلصين مثل الحكيم وليس مؤيدين منافقين كبعض المتسلقين.جورج حبش.. يا ابن اللد.. يا ابن فلسطين.. ايها الفلسطيني بامتياز..ودّعناك عند مرتفع شرقي النهر يطلّ على فلسطين..على مرمى لمحة عين منها..ودّعنا الجسد المتنكر في زيّ تاريخ.لكننا لم نودع التاريخ ولم نودع الفكرة- الجمرة.. ولم نودع حبّ فلسطين...

Wednesday, February 6, 2008

حكيم الثورة:يا تلك الثنائيات الفلسطينية الجميلة

مروان عبد العال
تهرب الدمعات من عينيه لحظة أن نلتقي, يحاول حبسها بين جفنيه لكنها تسبقه مسرعة وتهطل على وجهه فيبتسم مرحبا, مراراحاولت تفسيرها, يحاول النهوض ولكن اسبقه لاطبع القبله على رأسه فيبادر بمثلها وبخجل شديد, يعتذر لي لانه لم يستطع الوقوف.. يقول بصوت متهدج: (اعذرني يابا) فأزداد خجلا منه.
كتب كثيرا عن الدمعات السخيه في عينيه, وعن ذاك الفيض من المشاعر الذي غمر به زائريه, ربما دمعة الرجال تستحق ان تكون حدثا, فكيف بدمعات رجل كالحكيم؟ أمضي ستون عاما في الكفاح والمطاردة والنضال,وقائد لمسيرة صنعت رجالا وحملت اوصاف , بدأت من كتائب الفداءو دم حديد نار, وابطال العوده, والعمل الخارجي, والعنف الثوري المنظم.
الدمعه حدث ! ربما ان كنا صدقنا ان السياسي غير البشر ومصنوع من مادةأخرى! عديم الاحساس بالزمن. لكن سر الدمعه هذه, هي سر الخزين الجمعي والضميري في الحكيم. بل سر المزيج الانساني في عمق الشخصية الفلسطينيه, وربما بالفكر السياسي تستحق ان نطلق عليها تلك الثنائيات الفلسطينيه الجميله.
سر الدمعه, نفكك لغزها الذى ربما قضى الحكيم في كل تجربته الزاخرة بالفكر والسياسة والنضال باحثا عنها, كحقيقة فلسطينيه كانت ولم تزل عصية عن الحل كما هي عصية على الاندثار. وبالتأكيد ليست دمعة يأس , يكفيك ساعة في حاضرته حتى تدرك انه حكيم في ازالة ادران اليأس.
انها الثنائيه التي جمعت شرعتين , شرعية الحلم وشرعية الواقع, وجهان يختفيان في قلب الشخصية الفلسطينيه وربما فى الذات الانسانيه الواحده, وصالحت بينهما ولم تجعل الواحدة نقيضة للثانيه,فهي تنفجر في لحظة سيادة الذهنية الاقصائيه, لانها بذلك تكون مثل من يطلق النار على نفسه.
الحكيم كان يؤمن بقوة بالشرعيتين, الواقع وما يمليه عليك من شروط, وما يحتاجه من اعمل العقل والتبصر كي تعيه وتغيره, و شرعية الحلم الذي يوحد الهم الفلسطيني , ومكون اساسي لوحدة الشخصية الفلسطينيه, لان كل واقع لكل تجمع من الشعب الفلسطيني يملك شروط مختلفة عن الاخرى, لكن الموحد بين الجميع هو الهم والقضيه الواحده وهي الوطن , فلسطين و وحتى الاجماع والمؤسسة الجامعة هي اطار موحد .
لذلك كان يقرن التكتيك بالاستراتيجيا. يعطي للاولى مساحة الواقع المتغير والثانيه صيغة الهدف الثابت. لذلك عارض بقوه اي اختلال يصيب الحلم,او يضحي بقسم منه ثمنا للواقع وامن الحكيم بشرعية الواقع الذى لا يقطع الطريق على الحلم, ولم يكتفي بالحلم كمحرك للسياسه, فهو دعم البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينيه, ودائما يقرنه بانه خطوه على طريق الحل التاريخي بقيام فلسطين الديمقراطيه على ارضها التاريخيه.
لذلك علينا ان نفسر كيف كان الحكيم يتغير بكل ما يخدم المبدأ الثابت. عمل عربي وقومي اراده من اجل فلسطين, أممي ومن اجل فلسطين. اختلف ولم يفسد الخلاف للود والوحدة قضيه,شكل أطر وجبهات معرضة, ورفض ان يشكل بديلا لمنظمة التحرير الفلسطينيه, بل اعتبر كل الجبهات او الانسحاب من المنظمة احيانا هي خطوات مؤقته واحتجاجيه.
حتى عندما يستشعر ان الخلاف الفصائلي سيدفع باتجاه الانقسام الشعبي او يؤثر على الوحدة الميدانيه, يمسك بيد اخيه القائد الشهيد أبوعمار, لتستعيد السفينة وجهتها. وعندما يريد تعداد انجازات الثورة المعاصرة يكون انجاز منظمة التحرير الفلسطينيه كممثل شرعي وحيد اول الانجازات. ولذلك كان أكثر المنتقدين للممارسات الخاطئة من موقع الاحساس بأنها ملك الجميع.
أراد الحكيم وبوعي عندما ترك موقع الامانة العامة للجبهة الشعبيه لتحرير فلسطين للقائد الشهيد ابو علي, ان يترك منهجا صاغه هو ودافع عنه كأمانة بين ايدينا .لكن موقعه الجديد نأى بنفسه عن السياسة اليوميه وهموم الواقع المعقد والمركب في الصراع, وحرية صياغة التكتيك المناسب للواقع والظرف المناسب, وبقي الحكيم حارس للحلم, وكبرياء اللا الفلسطينيه, في زمن الصمم والتواطئ على الحق الفلسطيني.لاعداء الحلم واعداء الواقع معا.
سر الدمعة, اعرفها تماما, وعد الحلم الفلسطيني تريد ان توزعه في أعين الصغار والاجيال, وهي المشهد الواقع, الذي هزك على وتر الانقسام وضرب قيم علمتنا اياها وصارت تراث وفقه الثورة المعاصرة, شهدته يا حكيم ينتهك بعصبيه مغلقة وفي أعرق معتقل في التاريخ اسمه قطاع غزة, شاهدته كيف يتحول الى أكبر حقل لصيد البشر على ايدي العدو حلبة صراع روماني مميت , ليس مع احتلال مؤجل بل مع شقيق معجل! اغفر لهم يا حكيم انهم لا يفقهون ما يفعلون او ربما يفقهون بفقه اخر, أسمه (الاستباقيه)نحن نسميه الحرام.
تقول دمعتك, احذروا تناقض االثنائيات الجميله لاتقتلوا الانجاز الاهم والهيكل الذي شيدناه على مدار العمر وحدتكم ومقاومتكم وقيمكم وثورتكم, لحظتها سيكون انفجار الحلم.
هي ايقونتك المعلقه في الاعناق, مثل لؤلؤة تشبهك, تتمازج الوانها بثنائياتنا الاجمل والغير قابلة للموت.

أزْهَرَ اللوزُ

عدنان كنفاني
(إلى روح الشهيد الراحل، المناضل الحكيم "جورج حبش"
الفارس الذي لم يترجّل)
آثرتَ تُغادرُ هذا الزمنَ الجاحِد
زمنَ الأقزامِ المُنتَصرينَ براياتِ الغُرَباء
آثرتَ تُغادِرُ
كي لا تتلوّثَ بِغُبارِ النَفطِ الطافِحِ من أكبادِ الجَوعى
غادرتَ
وما وَطِئَت قَدماكَ بِساطَ الذُلّ
كي تَرعى حُرمةَ من سَقطَ مِن الشُهداء
لأنكَ منذُ بَدأتَ مَسيرةَ عَودَتِنا
وحَملتَ أمانينا
كُنتَ الصادِق
آمنتَ
بأن العودَةَ كَالبُردَةِ
لا يُمكِنُ أن نَنسُجَها بِالوَهم
آمنتَ بأنَ طَريقَ العَودَةِ مَمهورٌ بِإرادَتِنا
لا بِتَخاريفِ الجُبَناء

آمنتَ بأنَّ العودَةَ ذاكِرَةٌ تَنبُضُ زُخرُفَها حَيّاً
عِندَ الشاطئِ
ما زالت أعشاشُ زغاليلِ النَورسِ تَسكنُ فيها
قلتَ بأنَّ العودَةَ خُطواتٌ تَدرجُ عندَ سُفوحِ الكَرمل
في اللدِّ وفي يافا
في غزّةَ هاشِم
عندَ العَتباتِ القُدسِيَّةِ في مَرجِ العامِر
في اللَطرون
في البيارات
وتحتَ ظِلال اللَيمون..

غادرتَ الزَمنَ الجاحِد
كي تلحقَ بالرَكبِ النورانيِّ الأولِ
كي تُبقينا نَذكرُ ذاكَ الزَمن الذَهبيّ..

كنتَ مَسيحاً
لكِنكَ لَم تَحنِ الجَبهةَ لِلغُرباء
قلتَ
بأنَ العَينَ تُقاتِلُ حَتى حَدِّ المَخرَزِ
والسِنُ يُقاتِل لَحمَ الدُخَلاء
وعلى فوهَةِ رَشاشٍ نَحمِلُهُ
يَتعَلّقُ صَوتُ الحَق..

كنتَ مَسيحاً
يومَ خَرجتَ مِن اللدِّ
كانَ صَليبُكَ من خَشبِ اللَوّزِ اليابسِ
واليَومَ تُغادِرُنا وتعودَ إلى اللدّ
وصَليبُكَ ما زالَ على كَتِفَيك
قَد أزهَرَ لَوزاً..!

آثرتَ تُغادِرُ هذا الزمَنَ الجاحِد
سافرتَ على نَهرِ دُموعك
كي تَلقى غَسان
وَكُلُّ الرُفقاءِ
الشُهداء..

لكنكَ تَبقى مَعَنا روحاً
نَتَلمَّسُ مِن فِكرِكَ صَبراً
وَصُموداً
لَيس لنا إلا أن نَصمُدَ.. كي نلقاكُم جَمعاً
عندِ حُدودِ الوَطَنِ الغالي
نَدخُلهُ فَتحاً..
وَنُقيم

Tuesday, February 5, 2008

تمرّد بالرحيل

مروان عبد العال
الأخبار
لمَ رحلت الآن يا حكيم؟ كي لا يبقى لفلسطين حكيمها؟ وأنت المتمرد الأول على صليب التشرد... دائماً تشع في اللحظة السوداء وميضاً من بريق الأمل، نحن نعتب ونسأل لأننا من جيل تكوّن في مختبر روحك وفكرك وشخصيتك، حملها زاداً لطريق طويل دوماً محفوف بخطر الضياع ورحيل الأحلام.لمَ رحلت الآن؟ هل انقطع في طيات القلب الحبيب وتر الانتظار؟ أما عدت تقوى العيش على قيد الشوق، وأنت من علّمنا لغة الثورة وأبجديتها؟ هل لأن هناك من أنكر عليك البواكير الأولى؟ ألست يا حكيم، باعتراف الأعداء، أول من أدخل مصطلح «العنف الثوري المنظم» إلى قاموس الشرق الأوسط. كما قال غسان كنفاني يوماً: «الغزلان تحب أن تموت عند أهلها، أما النسور فلا يهمها أين تموت».لمَ رحلت الآن؟ ألم تغرس فينا إرادة البقاء والاستمرار والقتال، وأنت على مفترق الأغوار وفي قلب شاتيلا وعيادة البقعة ومركز الغد؟كم مرة التقينا وكانت بيروت ثالثنا، وكلما نلتقي تستعيد شباب الجامعة الأميركية، والمرة الأخيرة كي تسألني دامعاً عن مخيم نهر البارد.هل ترحل يا حكيم لأنك أيقنت بعقلك المنهجي أن الحلم بأمان وهو الذي استمررت بحراسته من أول نبرة كلام حار حتى آخر رعفة قلب فيك، وأنت الذي صرخت في أول الطريق بقولك: «تستطيعون أن تدمروا بيوتنا لكنكم لا تستطيعون تدمير إرادة المقاومة فينا»؟ كم نحبك وأنت تطلب منا بإلحاح: «أيها الشباب، إن أردتم صناعة التاريخ، فكونوا جزءاً من كلٍّ منظَّم».يوم أيقنت أن البناء الروحي اكتمل، سجلت سابقة أخلاقية وتنظيمية بأن ترحل من موقعك القيادي وتفسح الطريق وتطلب أن تكون مستشاراً لنا. صدقت بنموذجك الديموقراطي لنبلغك وعدنا «إن غاب المؤسس فلن تغيب المؤسسة التي صنعها»، تبتسم لتقول المثل الشعبي الفلسطيني: «مين خلّف ما مات».يا سيد مقولة وحدة صراع بوصلة لحل التناقضات الداخلية وحفظ الوحدة. حين يدرك الجميع أن للسياسة معادلة لا يخترقها الحكيم، هو يعرف متى يختلف ومتى يتفق. وكيف لا يفسد الخلاف للود قضية، وإن التناقض الرئيسي مع عدو يستهدف الجميع، ويوم الانقسام بعد حرب 82 هتفت بأعلى صوتك: الاقتتال الداخلي حرام حرام.في الزمن العقوق تتمرد بالرحيل. لقد صمّت الآذان عن النداء وأنكرت على الضمائر رفعتها، فقررت أن تعلن الرحيل. أكملت الرسالة ومضيت. لوّنت الحلم الذي صار يشبهك، فلسطيني ينزرع في الوطن، شهداء يلتحفون التراب، مفتاح الروح وصيتك المعلقة في كل مخيم، والحلم العروبي يشمخ في أعناق الأجيال، وأطياف الإنسانية تتوق الحرية

كلمة عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مروان عبد العال في حفل تأبيني حاشد للحكيم في قصر الاونيسكو

مروان عبد العال
صباح الغياب، ينحني الجرمق خشوعاً لجبلنا الناصع كالثلج. وزيتونتنا الراسخة في عمق الزمن. صباح سارية الثورة، النازف من جرح اللّد متمرداً على صليب الغربة، كي تكون بيروت وطناً بالتبني، من المقعد الجامعي قبل النكبة إلى جنين الحركة والبناء الأول ثم الثورة، فالحصار وميناء الرحلة، تتركها على شوق للنصر وتنتصر وفي الحلم بشارة فلسطين.
صباح بيروت المقاومة وبيروت الهوية العربية، بحرها وناسها وأحزابها وفعالياتها، فصائل الثورة والمقاومة، رعيلها الأول ورفاق الدرب، أبناء فلسطين في مخيمات الانتظار، أصدقاؤك وأنصارك ومُريدوك والأحبة وإن اختلفوا معك، تلامذتك وكل من مرّ على مدرستك أبناء حزبك.
سلام لك وعليك، يا سيد الحلم، يا مدرسة الفكرة، يا حكيم الثورة.
ترحل عنا جسداً وقد أودعت فينا الفكرة كي تنمو وتنتقد وتتجدد، مهموماً بإنتاج فكر عربي ثوري تقدمي أصيل، لا يرتبط بالكتب بل بأحداث حيّة وواقع متغير وطموحات وأهداف وأحلام الناس، إسمح لي أن أتحدث بما علّمتني وأستعير شيئاً من روحك كي تنطق، لأنك المعلم المربي والقائد والمؤسس، من أعطى للسياسة مضمونها الأخلاقي وبعدها الفكري، هي حزمة ضوء من إشعاعك الجميل، يشّع في الغياب، نحمله كقنديل كي يصير الدرب أكثر وضوحاً. هي معالم فكرك المختمر في روحنا:
أيها الحكيم القائد الثوري. يحسن قراءة المعادلات بعقل رياضي، وبقلب طبيب، يربط بين مرحلة التحرر الوطني والبناء الديمقراطي.
يا حيكم الموقف السياسي. لقد فرّق الحكيم بين تفهمه للحركة السياسية وعدم القناعة بإمكانية قيام تسوية سياسية. فكان يقول دائماً أنّ التسوية الوطنية لا أفق لها، لأنّ النظام العربي ممزق ومتهافت على أبواب واشنطن وهي تساند اسرائيل والمجتمع الصهيوني يسير باتجاه التشدد. فَلِمَ الوهم؟
يا حكيم الوحدة الوطنية.. وقداسة الدم الفلسطيني.
5) الحكيم المقاوم الأول، بوصلته فلسطين.
6) القائد القومي. كما أنّ المعادلة بين الوطني والقومي، هي خلاصة تجربة الحكيم التاريخية والغنية، فإنّ تغييب العامل الوطني خطأ كبيراً وتغييب العامل القومي خطأ كبيراً أيضاً، لأن تجربة القوميين العرب كانت حركة قومية من أجل فلسطين تستدعي الدرس.
7) أيها الحكيم المربي والديمقراطي. وفي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الحكيم صانع القيادات، يترك القيادة لأجيال بناها ومؤسسة وثق بها. كان يخالف بالرأي ولا يحرد أو يخاصم، يحترم ويحب ويسأل حتى عن مخالفيه الرأي، كان يفتخر أن لديه قيادات وشباب وأحياناً مؤسسة وبالأكثرية تقول له لا.. ويحترم قرارها.
خصالك الجميلة تأبى عليك الرحيل بلا استئذان. لقد كان اللقاء يصاحبه دائماً قطرات من دمع عينيك، لكن كيف يكون الوداع؟ وأنت المعلم الذي طالما ردد: " من قرر المسير في طريق الحق لا يستوحش قلة السائرين فيه ".
سنعذر غيابك يا حكيم إن كان القلب قد استوحش غياب حبيبه وذراعه القيادية أبو علي مصطفى أو ظمأت الشفاه لابتسامة من دعابة وساخرة من غسان كنفاني أو تلهفت لمفاجأة موعودة من أبي هاني. أو إن كان فرقة الأشقاء استلزم الاستنجاد بحنكة أخيك القائد أبوعمار وهدوء القائد الشقاقي وحكمة الشيخ أحمد ياسين.
يا من بكيت كل الشهداء، ودّعتهم بدمعة، كل واحد منهم كان يسقط كأنه قطعة من جسدك، لم يكن يوماً الشهيد والرفيق بالنسبة لك رقماً. ترحل في زمن سقوط الضحية على يد الضحية.. كأنما رصاص الإقتتال يوجّه إليك. ام كاننا نقول طوبى لثورة فقدت شيخها احمد ياسين وختيارها ابو عمار وحكيمها جورج حبش.
أيها العائد إلى وطن الشهادة، نم قرير العين.
أنجبت رجالاً بحجم الأمة وفي ملاحم الحرية. الراية بيدنا والقائد والإبن البار، الذي تتلمذ على يديك الأمين العام من الجيل الثالث أحمد سعدات، من قاع القيد يقول: أيها الشيخ الكرملي سلام وقبلة، جاهلين كنا فعلّمتنا الحب كله، لا تحزن فأحلامك لن تموت، من لديه شعب حي أحلامه ستبقى حيّة، لأنك هامة شعب لا ينكسر، وقضية ستنتصر. أكملت لنا الرسالة يا رفيق، وحزب الحكيم مازال وفيّاً للنشيد.
إمّا فلسطين وإما النار جيلاً بعد جيل.

وصيته الأخيرة: تمسّكوا بالمقاومة واستعيدوا الوحدة

الأخبار
قبل دقائق من وفاته في أحد مستشفيات عمان مساء السبت الماضي أعرب جورج حبش عن قلقه إزاء الفرقة بين أبناء الشعب لفلسطيني وحصار إسرائيل لقطاع غزة، بحسب ما ذكر مساعدون وأصدقاء له أمس.وصرح عضو المكتب السياسي للجبهة وممثلها في الأردن سهيل خوري بالقول: «كان هاجسه الرئيسي حتى في المستشفى هو كيفية استعادة الوحدة الفلسطينية وفتح حوار بين منظمتي فتح وحماس». وأوضح أن حبش وقف على مسافة متساوية من كلا الفصيلين المتنازعين، لكنه كان من أشد المتحمسين للحوار بينهما انطلاقاً من إيمانه بأن الشعب الفلسطيني «سيكون الخاسر الوحيد» في هذا النزاع.وقال خوري: «ظل الزعيم حتى قبل وفاته بساعات قليلة يسألنا عن التطورات في غزة ومعاناة الشعب الفلسطيني هناك نتيجة الحصار الذي تفرضه إسرائيل». وأضاف: «كان مؤيداً قوياً لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وكان يتحرّق شوقاً لليوم الذي يستطيع فيه أن يرى منزل أسرته في اللد».وأشار سعيد دياب، وهو صديق مقرب من الزعيم الراحل، الى أن حبش «غضب بشدة» من تصريحات الرئيس الأميركي جورج بوش أثناء جولته الأخيرة في الشرق الأوسط، التي استبعد خلالها ضمناً عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم تطبيقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لسنة 1948. وقال إن «حبش كان ضد المفاوضات الجارية حالياً بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وكان يعتقد بأن مثل هذه المحادثات مضيعة للوقت وبلا فائدة في ظل رغبة إسرائيل في التوسع والاحتلال».وحثّ حبش وهو يُحتضر رفاقه على «التمسك بالمقاومة وبأهداف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأهمها تحرير كامل التراب الفلسطيني».وكان الراحل يرى، في أواخر سنوات حياته، أن الحل الوحيد للصراع الفلسطيني الإسرائيلي في قيام دولة علمانية يعيش فيها اليهود والفلسطينيون معاً.وفي وقت متزامن تقريباً، صدرت في باريس مذكّراته تحت عنون «الثوريون لا يموتون».ويقول حبش في الكتاب الذي ظهر على شكل محاورات مع الصحافي الفرنسي جورج مالبرونو «بعد تفكير طويل، توصلت إلى نتيجة أن قيام دولة ديموقراطية وعلمانية هو الحل الوحيد للنزاع بيننا وبين الإسرائيليين، دولة يعيش فيها معاً اليهود والفلسطينيون على قدم المساواة حيث يكون للجميع الحقوق والواجبات نفسها». ومع إقراره بـ «رومانسية» هذا «المشروع»، غير أنه رأى أنه «لن يكون هناك لا سلام ولا تعايش أو انسجام بين اليهود والعرب في فلسطين إذا استُبعد مثل هذا الحل».وأبدى حبش موقفاً حازماً إزاء المسؤولين الفلسطينيين، فاتهم الرئيس محمود عباس بارتكاب «أخطاء (...) ستسبّب القضاء على القضية الفلسطينية». وأنحى باللائمة على عباس لتقديمه التنازلات تلو التنازلات للإسرائيليين الذين لم يعطوه شيئاً في المقابل. ورأى أن أبو مازن، مهندس اتفاقات أوسلو، «يستهين بالوحدة الفلسطينية، ويعتمد على الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل للبقاء في منصبه».ولم يوفّر حبش الزعيم التاريخي الفلسطيني ياسر عرفات الذي توفي في 2004، فكان ينتقد سلطته الفردية. ووصف حبش عرفات الذي كانت تربطه به علاقة أخوّة وعداوة بأنه اختصاصي في «حياكة الألاعيب والدسائس، ومستعد لفعل أي شيء لإبعاد منافسيه».وكان حبش يروي نكتة عن عرفات تقول إنه عندما كان يؤدّي فريضة الحج أسرّ عرفات لصديق له إنه لا يريد رجم الشيطان فقد نحتاج إليه يوماً». لكن عرفات «لم يكن خائناً للقضية»، كما يقول حبش.ويكشف حبش في مذكراته «خفايا» الثورة الفلسطينية التي كرّس لها حياته، وكيف أن ليبيا كانت المموّل الرئيسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فيما كانت كوريا الشمالية ومصر في عهد عبد الناصر تزوّدانها بالأسلحة. (أ ف ب، د ب أ)

جورج حبش حكيم الثورة وضميرها

حسام كنفاني
الأخبار
ما كان للثورة الفلسطينية أن تذكر في التاريخ من دون أن يكون اسم جورج حبش في مقدمة قادتها على مدى أكثر من 50 عاماً من النضال، كانت محطة انطلاقته من اللدّ مروراً بعمّان ودمشق وبيروت، ليختتم مسيرته في عمان، حيث وافته المنية أول من أمس
«حكيم الثورة وضميرها»، «القائد القومي»، بعض التسميات التي كانت تعرّف بجورج حبش، الذي كرّس حياته طبيباً ومقاتلاً وسياسياً لأجل القضية الفلسطينية منذ ما قبل نكبة عام 1948، حين قطع دراسته للطب في الجامعة الأميركية في بيروت التي التحق بها عام 1944، ليعود إلى مدينته اللد لمواجهة العصابات الصهيونية.عاش حبش، الذي ولد عام 1925، تفاصيل حصار العصابات الصهيونية لمدينته، الذي أدى إلى استشهاد شقيقته واضطرار العائلة إلى دفنها في حديقة المنزل الخلفية، لعدم قدرتهم على مغادرة المنزل. كان لقرار التقسيم أثر كبير في نفس حبش، الذي كان في إطار وعيه الأولي على حركة القومية العربية، فعلق عليه بالقول «كيف لهذه الأمة الكبيرة أن تهزمها عصابات صهيونية».إلا أن الهزيمة التي استغربها الحكيم وقعت بالفعل، ما اضطره وعائلته إلى الدخول في ركب اللجوء، فتنقّلوا بين يافا ورام الله وعمّان، التي عاد منها حبش إلى بيروت لإكمال دراسة الطب، فتخرج عام 1951.وفي 1952 عمل على تأسيس «حركة القوميين العرب» مع رفيق دربه وديع حدّاد، وكان لها دور في نشوء حركات أخرى في الوطن العربي. وأدّى ورفاقه دوراً قيادياً في التظاهرات الطلابية التي عمت لبنان في تلك الفترة تأييداً لموقف حكومة مصطفى النحاس زعيم حزب «الوفد»، التي ألغت المعاهدة المصرية ــــــ البريطانية.ثم تابع حبش النشاط السياسي في الأردن عام 1952، ومارس مهنة الطب هناك مع الدكتور وديع حداد، وأقاما عيادة وسط عمان وقدما علاجاً مجانياً للطبقة المسحوقة من أبناء المخيمات. وكانت العيادة مركزاً للتعبئة والتوعية السياسية ونشر أفكار حركة القوميين العرب، إلا أنهما تعرضا للملاحقة، مما اضطرهما إلى العمل السري والاختفاء لمدة عامين في الأردن، وبعدها انتقل إلى سوريا ليمارس نشاطه السياسي والجماهيري في دمشق.بعد الانفصال بين سوريا ومصر في عام 1961، تعرّض حبش للملاحقة من النظام في سوريا بسبب تأييده لمواقف الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، ما اضطره إلى العودة للعمل السرّي، ثم الانتقال إلى بيروت.بعد نكسة عام 1967، وانحسار الفكر القومي العربي أسّس حبش مع مصطفى الزبري المعروف باسم «أبو علي مصطفى» «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، التي تبنّت الفكر الماركسي. اعتقل عام 1968 في سوريا لمدة عام، ثم نفذت بعدها عملية اختطاف لتهريبه من السجن خطط لها ونفذها الدكتور وديع حداد. وعندما أصبح خارج السجن عام 1969 وجد نفسه أمام انشقاق سياسي تنظيمي قام به نايف حواتمة.انتقل إلى الأردن سراً عام 1969، حيث كانت مرحلة المقاومة الفلسطينية في الأردن، التي شهدت الكثير من المصادمات مع الجيش الأردني أدت إلى معارك ضارية في أيلول عام 1970 وخروج المقاومة الفلسطينية من عمان إلى أحراش جرش.كان حبش بطل العمل الثوري في الأردن، إضافة إلى التيارات اليسارية الأخرى على الساحة الفلسطينية. إذ تخصصت الجبهة في عمليات خطف الطائرات، التي كان أبرزها عام 1970، حين خطفت خمس طائرات مدنية غربية أنزلتها في «مطار الثورة» في الأردن قبل تفجيرها من دون ركابها لتسليط الضوء على القضية الفلسطينية.عمليات الخطف استفزت النظام الأردني، الذي كانت القوى اليسارية قد وضعت إطاحته نصب أعينها. ويروى عن قيام الجبهة بمحاولتي اغتيال للملك حسين، الأولى عبر كمين في منطقة صويلح، والثانية في وسط عمّان حيث قام قنّاص كان مختبئاً على مئذنة المسجد الحسيني بإطلاق النار على سيارة الملك واستقرت إحدى الرصاصات في ظهر زيد الرفاعي.بعد أحداث أيلول الأسود انتقل حبش إلى بيروت. وفي عام 1972 تعرض حبش لمحاولة اختطاف، حيث قامت إسرائيل بخطف طائرة ميدل إيست اللبنانية التي كان يفترض وجود الحكيم على متنها، لكنه نجا منها بأعجوبة نتيجة لإجراء أمني احترازي اتخذ في اللحظات الأخيرة قبل إقلاع الطائرة.ويروي أحد مساعدي حداد عن الحادثة بالقول إنه «في أحد الأيام، قرر المكتب السياسي إرسال وفد إلى العراق سراً للقاء المسؤولين هناك، بناءً على دعوة السلطة العراقية آنذاك. ولم يكن يعلم بأمر هذه الزيارة سوى ستة أعضاء بينهم حداد. وقبل ساعات قليلة من انطلاق الوفد سمع حداد عتباً من أحد أعضاء المكتب السياسي، عن سبب عدم إخباره بالزيارة. ولما سأله عن مصدر معلوماته، قال إن زوجته أخبرته أن زوجة عضو آخر من ضمن الوفد أخبرتها بذلك. عندئذ جنّ جنون الدكتور وقال: عرفوا النسوان يعني عرفوا الموساد. وهرع إلى منطقة برج البراجنة، حيث كان الحكيم يتأهب للسفر ومنعه بالقوة من الذهاب إلى المطار». ويضيف مساعد حداد إن «المفاجأة كانت أن الطائرة قد تعرضت لقرصنة من جانب عملاء الموساد فعلاً، وأجبروها على الهبوط في صحراء الأردن، بيد أن خيبة أملهم بدت حين لم يجدوا حبش على متن الطائرة».في العام نفسه، برز الخلاف بينه وبين رفيق دربه وديع حداد، بعد قرار الجبهة وقف عمليات خطف الطائرات، وهو ما رفضه حداد، ما أدى إلى تجميد عضويته في الجبهة الشعبية إلى حين استشهاده عام 1978.جمّد حبش عضوية الجبهة في منظمة التحرير الفلسطينية بعد ما سمي «البرنامج المرحلي» أو برنامج النقاط العشر، الذي بدأ يتحدث عن إمكان القبول بالقرارات الدولية والاعتراف بإسرائيل وإقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967. غير أن تجميد العضوية لم يدم طويلاً، فشارك حبش في جلسة المجلس الوطني الشهيرة عام 1988 في الجزائر، حين أعلن الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات استقلال الدولة الفلسطينية بعد اندلاع انتفاضة الأقصى.شارك حبش في المعارك الضارية مع قوات الاحتلال التي اجتاحت بيروت عام 1982. ويروي الرئيس الجزائري السابق أحمد بن بله أن حبش كان الهدف الأساس لهذه العملية. إلا أنه بقي صامداً في بيروت وخرج مع المقاتلين الفلسطينيين، واختار دمشق مقرّاً جديداً له وللجبهة الشعبية، على عكس عرفات الذي توجّه إلى تونس، لإيمانه العميق باستمرار النضال من إحدى بلدان الطوق مهما كانت الصعوبات.عام 1992 توجه إلى فرنسا للعلاج بعد موافقة الحكومة الفرنسية، لكن سرعان ما تحولت زيارة العلاج إلى قضية سياسية كبيرة. فقد احتجزته القوات الخاصة بمكافحة الإرهاب تحت ضغط اللوبي الصهيوني، حيث احتشد الآلاف من اليهود في ساحة المستشفى. وطلبت إسرائيل من فرنسا تسليمها إياه، بينما أرادت الحكومة الفرنسية تحويله للقضاء بتهمة الإرهاب. إلا أن ضغوطاً دولية وعربية، وخصوصاً من الجزائر، ساهمت في إطلاقه، إذ أرسلت الجزائر طائرة رئاسية إلى فرنسا من أجل تأمين عودته وضمان سلامته.عام 2000 قدم استقالته من منصب الأمين العام للجبهة في المؤتمر السادس، مفسحاً الطريق أمام تولّي نائبه أبو علي مصطفى الأمانة العامة للجبهة. إلا أنه بقي على تواصل دائم مع الهيئات القيادية للجبهة ومع كل الفصائل الوطنية والمؤسسات والفاعليات الوطنية الفلسطينية والعربية، الرسمية منها والشعبية.بعد استقالته حدّد حبش لنفسه ثلاث مهمات أساسية، فانكبّ على كتابة تاريخ حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية وتجربته النضالية. وعمل على تأسيس مركز للدراسات يعنى بقضايا النضال العربي، وفي مقدمها الصراع العربي ــــ الصهيوني. والعمل من أجل إقامة نواة جبهة قومية هدفها حشد القوى القومية العربية من أجل التصدي لمسؤولياتها وتوحيد جهودها في هذه الظروف، وفي مقدم مهماتها في هذه المرحلة مواجهة عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني.كان معارضاً شرساً لاتفاقات أوسلو التي وقعها الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات مع إسرائيل. وأثناء نقاش الاتفاق في منظمة التحرير، قال عرفات «إن هذا الاتفاق هو الممكن»، فرد عليه حبش «أن الثورة الفلسطينية قامت لتحقق المستحيل لا الممكن». ووصف الدولة الفلسطينية التي كان سيعلنها عرفات بأنها «لا يمكن إلا أن تكون كاريكاتوراً لأن السلطة الفلسطينية قبلت بالعمل على تقديم التنازلات تلو التنازلات».كان حبش يعرّف عن نفسه بالقول: «أنا ماركسي، يساري الثقافة، والتراث الإسلامي جزء أصيل من بنيتي الفكرية والنفسية، معنيّ بالإسلام بقدر أي حركة سياسية إسلامية كما أن القومية العربية مكوّن أصيل من مكوناتي». ويتابع «إنني في حال انسجام مع قوميتي العربية ومسيحيتي وثقافتي الإسلامية وماركسيتي التقدمية».

Monday, February 4, 2008

النص الكاملة للمقابلة التي أجرتها مجلة العودة مع الحكيم جورج حبش - آخر مقابلة صحفية للحكيم

أجرى الحوار أحمد حسين - دمشق
-مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية الدكتور جورج حبش لـ «العودة :حق العودة طبيعي وقانوني، وجمعي وفردي، ليس لأحد في العالم أن يعبث به كل المؤتمرات التي تنتقص من الحق الفلسطيني لن يكتب لها النجاح
بعنفوانه الأول الذي عتّقته ثمانون حولاً بحكمة الشيوخ، يرى «الحكيم» جورج حبش الأمور بمنظار فلسطيني واسع (تاريخاً وجغرافيا)، يحنّ لمضارب الصبا والشباب، ويلتقط اللحظة التي يتحول فيها حب الوطن إلى ثورة، ويناقش الماضي والحاضر ووسائل النضال فيهما، ويصرّ على العودة، ويحذر من التآمر عليها، ويعود إلى مقولته الدائمة.. الوحدة ثم الوحدة . الحديث مع الدكتور جورج حبش يطول، انتشلنا بأسئلتنا من جعبته الخبرة، تاركين الأحداث والروايات لحديث ذكريات نأمل أن يكون لنا نصيب فيه ..كل هذا كان مفصّلاً في الحوار التالي :
- من عائلة أرثوذكسية في عام 1926، وُلدتَ في اللد المحتلة، كيف تنظر (الآن) إلى 22 سنة من حياتك، وإلى حلم العودة إلى مرابعها الأولى؟ * أشكركم على هذه المبادرة الكريمة بإجراء مقابلة لي على صفحات مجلتكم في عددها الأول، آملاً أن يكلل بدرجات النجاح والتوفيق في ما تسعى إليه المجلة من تكريس لمفهوم حق العودة، ودفاعاً عنه وتظهيراً له، ورفضاً لنقيضه من مشاريع التسوية الهادفة إلى دفنه حلماً وواقعاً .
-أما بشأن رؤيتي إلى السنوات الأولى من حياتي، فهذا سؤال وجداني بامتياز، يثير فيَّ حنيناً دافئاً، لا أزال وأنا في الثمانينات من عمري أحتاج إليه، حنيناً إلى أعزّ كائنٍ في حياتي، إنه الوطن، لقد كان كائناً حياً يحرك في أعماقي؛ طفلاً وشاباً وشيخاً، أجمل معاني ومدلولات الحب والعاطفة، والاشتياق، والحنين، والحاجة إلى الدفء، لطالما احتجت إلى هنيهات من الزمن للاستراحة على صدر هذا الوطن، فقد عشت في كنف هذا الكائن عشرين عاماً، مغموراً بتضاريسه، وسجايا خلقه، وجمال وجهه، وبهاء طلته صباحاً ومساءً، كنت طفلاً أستظلّ بجناحيه وأمارس هوايات الأطفال لعباً على ساحات وديانه وجباله وسندسه الأخضر. كان يحثني على التفكير بمستقبلي، يخلق فيّ دافعاً للحياة الأفضل ..
لقد غادرت الوطن للدراسة في بيروت لأجل الارتقاء، وكلّي أمل وإصرار على العودة إليه حاملاً معي آمالي وأحلامي وعزمي لأكمل مشواري بين أحضان وطني .. وفي لحظة تاريخية فارقة لا يمكن أن تمحى من ذاكرتي.. افتقدت هذا الوطن..!! افتقدت كياني.. وغار الجرح عميقاً في كل جسدي.. إنها اللحظة الأصعب في حياتي التي حولتني من إنسان عاشق لوطنٍ وحياة إلى سياسي يبحث عن وطن.. وحياة أفضل، ذلك هو السر الذي دفعني إلى أن أوظف كل سنوات عمري لأجل استعادة هذا الوطن. وأستعيد معه كل أحلامي وآمالي .
إن ساحة الشعور بأهمية الوطن وعشقه تزداد طردياً مع فقدانه وزيادة منسوب المعاناة والتشرد والمطاردة .. فنحن الفلسطينيين نعرف أكثر من غيرنا قيمة الوطن ومعنى ضياع الوطن .. فثمة رابط روحي لم يزل بيننا وبين أرضنا فلسطين لن ينقطع طالما نعيشها هماً ومعاناة .. ومن هنا فإن السنوات الأولى من عمري كانت الأجمل لكنها سرقت مني مع سرقة الوطن . فيأتي سؤالكم العاطفي ليقيم همزة وصل بيني وبين تلك السنوات مجدداً. ولا غرو في القول إن حلم العودة حلم لا ينقطع ولا ينطفئ، لا مع الزمن، ولا مع الشيخوخة.. لكونه حلماً جمعياً للشعب الفلسطيني كلّه وليس لجورج حبش فحسب ..- من «كتائب الفداء» و«العروة الوثقى» و«الشبيبة العربية» مروراً بـ«حركة القوميين العرب » و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» وصولاً إلى العمل البحثي الاستراتيجي، كيف يلخص « الحكيم» تجربته النضالية باختصار؟ > لقد شكل اغتصاب فلسطين، والهزيمة العربية الصدمة التي لا تُحتمل، ولم تفسح لنا مجالاً للتفكير الهادئ وصياغة الرؤية على نحوٍ دقيق وصحيح بما يقود النضال الوطني والقومي نحو الطريقة الأكثر نجاحاً .. كان لا بد من الثأر، ولا بد من إعادة الاعتبار للإنسان الفلسطيني الذي ضاعت أرضه .. فهو في حالة انتظار واستعداد للعودة السريعة. فكان العمل المتواصل، والإرهاصات السياسية والفكرية المختلفة في إطارات سياسية وكفاحية مختلفة، لقد كنا نبحث عن إجابات للأسئلة المباشرة والصعبة، عن أسباب الهزيمة. لم نكن نملك إجابات شافية، فالتجربة وحدها كانت تدلنا على طريق الصواب. ولم نكن نعمل في ظروف عربية وإقليمية ودولية مواتية، إنما في محيط عربي مجافٍ، ومتخلف سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وكنا نعمل فوق قطريات عربية فاقدة لهويتها القومية ومع تصادم مع الرجعيات العربية التي كانت سبباً في الهزيمة العربية ..كانت البوصلة نحو فلسطين.. ولكننا لم نكن نعرف كيف نعبر إلى فلسطين.. هل عبر الكفاح المسلح وحده، أم عبر الوحدة أو الاشتراكية، أم الحرية والديمقراطية.. هل عبر البعد القومي أم البعد الوطني. أم كلاهما معاً.. هذا ليس تِيهاً في الطريق، إنما الظروف الموضوعية الصعبة، وطبيعة المراحل السياسية التي مررنا بها، كانت تفرض علينا آليات عمل، وآليات تفكير، لقيادة نضال الشعب الفلسطيني وخلق ظروف مواتية وأفضل.. فلكل مرحلة سياسية استحقاقها في العمل والفكر والسياسية، ولا شك أن تلك التجربة المليئة بالدروس والعبر شكّلت ولا تزال الخميرة اللازمة لنضالات شعبنا التي ما زالت قائمةً لبناء الدولة الفلسطينية المستقلة، وتحقيق العودة وتقرير المصير، ولازمةً لبناء الوعي المقاوم، والتفكير المقاوم، فالنضال يجب أن يتواصل عبر محطاته المختلفة بغض النظر عن تقييم كل مرحلة ..
- أين كان «حق العودة» في مسيرة «الحكيم» النضالية؟ وكيف ينظر الآن إلى هذا المحور في منظومة العمل النضالي الفلسطيني؟ > حق العودة هو حق طبيعي، وقانوني، وجمعي وفردي، ليس لأحد في العالم أن يعبث به، فالمسألة واضحة كالشمس، هناك لاجئون أرغموا على ترك أرضهم وديارهم.. لهم الحق في العودة كحق طبيعي، ولهم الحق في العودة وفق قرار من الأمم المتحدة 194، وهو قرار يجيز لهم العودة . والمنطق الطبيعي أن يعودوا لا أن يحل مكانهم مستوطنون قادمون من آفاق الأرض، وعليه فنحن ننظر إلى حق العودة كأساس وجوهر للمسألة الفلسطينية، ولا حلّ سياسياً بدون ربط حق العودة بالأرض والوطن والكيان السياسي للشعب الفلسطيني، فلا معنى لحل سياسي يستبعد أكثر من ستة ملايين فلسطيني في الشتات، إن جذر المشكلة هو اغتصاب الأرض وطرد السكان الأصليين، وحل المشكلة يبدأ بعودة اللاجئين واستعادة الأرض، تلك معادلة لا يجوز التنازل عنها، وأية محاولة لتجزئة الحقوق عبر ما يسمى الأولويات أو الممكن وغير الممكن، والأهم وغير المهم، والمؤجل والراهن لا يخدم جوهر القضية الفلسطينية، لذلك نضالنا يسير وفق رؤية واضحة تترابط فيها كافة الحقوق دون المساس بأحدها.. وهذا لا يعني ضرب مرحلية النضال، إنما يعني الحفاظ على الترابط، وأن لا ينتهك التكتيكيُّ الاستراتيجيَّ .
- تجربة التخلي عن قيادة تنظيم أو تزعم حركة، تجربة فريدة ونادرة تسجل للدكتور حبش، وهي سابقة في العمل الفلسطيني، هل تجدها ممكنة التكرار في العمل الثوري، وهل أثبتت نجاحها؟ > دعني أُشِر إلى نقطة أساسية في تفكيري.. وهي أن النضال الوطني يجب أن يقاد عبر المؤسسة القيادية.. والأشخاص أو الرموز قد يصنعون التجربة ويطبعونها بسياستهم وبصماتهم.. إلا أنهم يتركون وراءهم المؤسسة القادرة على المواصلة.. من هنا جاء قراري بالتخلي عن قيادة الجبهة الشعبية، إيماناً مني بتلك الفكرة، وإيماناً مني بإفساح المجال لقادة غرسوا بالنضال، وقناعة مني بأن الجبهة الشعبية لديها القدرة على خلق القيادات.. بالإضافة إلى أهمية الجانب الديمقراطي وتعاقب القيادات على الحزب أو التنظيم.. هي سابقة لكنها رسالة .. إنني أجد أن هذه التجربة «التخلي طواعية عن قيادة التنظيم» أمر ممكن ولازم في الحياة السياسية والعمل الثوري.. لكن الأهم أن تتولد القناعات والإرادة الصلبة لأخذ هكذا قرار، وتتوافر الشجاعة الكافية للتخلص من النزعات الذاتية والنرجسية التي تصيب البعض، وطرد هاجس الخوف من فقدان القائد أو الرمز وزنه وحضوره ومكانته بعد تخليه عن القيادة المباشرة. باختصار العمل الجماعي مجسَّداً بالمؤسسة هو الذي يحمي القائد ويجعله حاضراً حتى بعد تخليه عن المسؤولية الأولى ..
- العمل السياسي والمقاومة والاقتصاد.. و..، نظريات كثيرة تتفاضل وتتكامل في الطريق إلى فلسطين .. السؤال: من خلال أكثر من 55 سنة من تجربتكم النضالية كيف تنظرون إلى هذه المحاور؟
> إن تكامل أشكال النضال المختلفة السياسية والاقتصادية والكفاحية والإعلامية والجماهيرية كلها معاول يجب أن تستخدم بطريقة واعية وعلمية واستثمارها بأعلى طاقة ممكنة من الكفاءة ووضوح الرؤية.. غير أننا في حالتنا الفلسطينية يجب أن نرى الخاص في نضالنا.. مشكلتنا أننا أمام استعمار استيطاني وإجلائي وعنصري واضطهادي، يجب أن يقاوم بالكفاح المسلح أولاً وفق الظروف المناسبة والممكنة دون أن ننسى الأشكال الأخرى في النضال.. والتجربة علمتنا أن العمل السياسي العربي والفلسطيني معاً لم يثمر حتى الآن في إجلاء المحتل. لذلك يجب أن يتقدم الكفاح على الأشكال الأخرى، وإلا تحول نضالنا إلى نضال مطلبي اقتصادي .
- ناضل الشعب الفلسطيني بكل فئاته من أجل العودة والتحرير، هل تعتقد أن تجربة حركات المقاومة كانت ناجحة؟ > إن تقييم حركات المقاومة على أساس أنها حققت أهدافها أو لم تحققها فيه ظلم لشعبنا الفلسطيني وحركاته الوطنية والمقاومة.. إنما نحن ما زلنا نناضل نضالاً تاريخياً يربط برؤية آنية ومستقبلية للشعب الفلسطيني والعربي .. فصراعنا مع العدو صراع تاريخي ومفتوح على مصراعيه، ونحن نتحدث عن عدو صهيوني جاثم على أرضنا.. لكننا نواجه عدواً استعمارياً منذ عدة قرون.. ونضالنا لن يتوقف.. بهذا المعنى لم تفشل حركات المقاومة لكنها أدت وما زالت دورها الوطني والمقاوم في صيرورة تاريخية في مواجهة العدو ..
أما بالمعنى المباشر فحركات المقاومة لم تحقق حتى الآن الهدف الآني المباشر في تحرير فلسطين، لقد حَمَت حركات المقاومة الهوية الوطنية من الذوبان، وما زالت تشكل حركة ممانعة في الوسط والمحيط العربي في وجه محاولات التسوية والسقوط السياسي.. ويبقى السؤال هل انتصر العدو الصهيوني بالمعنى الاستراتيجي والتاريخي؟ أم أنه انتصر في عدة جولات ومعارك فحسب؟ وهل حقق العدو الصهيوني أمنه؟ - هل تعتقد أن الحراك النخبوي والشعبي الذي تفاعل بعد أوسلو 1993 ، من خلال المؤتمرات واللجان والمؤسسات العاملة من أجل «حق العودة»، سيكون فعالاً وذا تأثير في هذا المجال؟ > بلا شك.. ما دمنا نتحدث عن نضال وصراع تاريخي ومفتوح على المدى السياسي والاقتصادي والكفاحي والجماهيري، فإن كافة المؤتمرات واللجان والمؤسسات التي تعمل من أجل حق العودة، سيكون لها أثرٌ فعّالٌ وناجحٌ، أولاً في إظهار طبيعة الحق الفلسطيني «حق العودة».. وثانياً في كفاءة النضال من أجله بكل السبل حتى نستحق هذا الحق.. وثالثاً في منع المساومات السياسية على هذا الحق.. ورابعاً لتأسيس سياج جماهيري وشعبي وسياسي حول هذا الحق لمنع التفريط به من قبل النخب السياسية التي تستهين بهذا الحق الطبيعي.. وخامساً أن هذه المؤسسات واللجان هي مؤسسات مدنية سياسية واجتماعية وقانونية قادرة على أن تعمل في كافة مناطق العالم بدون اتهامها بالإرهاب والمقاومة.. من هنا تأتي أهميتها وضرورتها في هذه المرحلة السياسية، لكني في الوقت نفسه أحذر من أية محاولات لتسييسها من قبل بعض المؤسسات الدولية لحرفها عن أهدافها الوطنية، وحق العودة، بالذات .
- كيف تنظر إلى المؤتمرات والوثائق التي تتجاهل «حق العودة» كوثيقة (أبو مازن – بيلين ) ومؤتمر روما ومؤتمر جنيف؟ ما هي فرص نجاحها في الدفع باتجاه حل أو تسوية بدون «حق العودة» في ظل «لاءات» بوش الأربع (القدس، الحدود، المستوطنات، اللاجئين)؟ > كما قلت في أجوبتي السابقة إننا في حالة صراع مفتوح، ونضال مستمر، وصيرورة تاريخية في مواجهة المعتدي.. وليس مستغرباً أن يظهر على هامش هذه الصيرورة النضالية من يعبث بالحق الفلسطيني بصرف النظر عن الأسماء والمسميات، وكل محاولة للعبث بهذه الحقوق الوطنية عن وعي أو بدون وعي هي بمثابة كوابح سياسية وعملية لمسيرة النضال الوطني الفلسطيني، وعليه فإن كل المؤتمرات واللاءات والوثائق التي تنتقص من الحق الفلسطيني لن يكتب لها النجاح بفعل تمسك الشعب الفلسطيني بكافة حقوقه وثوابته. هل استطاعت أوسلو ووثائقها أن تنهي الحق الفلسطيني، أو تعيد جزءاً من الحق الفلسطيني؟ إن «إسرائيل» تستطيع أن تقول لاءاتها. ولكن كل واحدة من هذه اللاءات سيواجهها شعبنا بضراوة كفاحياً وسياسياً واستراتيجياً.. ويجب أن يدرك الجميع أن القضية الفلسطينية لا تنحصر في عناوين هذه اللاءات الأربع.. إنما هي الأرض والشعب معاً، أي فلسطين التاريخية ..
- « حق العودة» موجود ومؤكد في القرارات الدولية، ولكن هل هو مضمون وثابت، أم أنه قد يتم محوه وتغييره لاحقاً؟ > قرار حق العودة 194، هو حق قانوني من الشرعية الدولية، وعلى الرغم من أن هذا القرار يحمل في ثناياه الاعتراف بـ«إسرائيل»، والإجحاف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، إلا أنه يسلّط الضوء على قضية اللاجئين الإنسانية والسياسية، ويعطي الحق لعودة هؤلاء.. «إسرائيل» أخذت في حينها ما يناسبها من القرار لتدعيم شرعيتها ووجودها في الأمم المتحدة.. واليوم تريد أن تأخذ الجزء الآخر من القرار الذي في صالح الشعب الفلسطيني.. ولما كانت الشرعية الدولية محصّلة ميزان قوى دولي تتحكم فيه القوى الإمبريالية وعلى رأسها أمريكا، فليس هناك ما يمنع في لحظة ما بعد أن تتواطأ أمريكا مع أصدقائها و«إسرائيل» على هذا الحق وتعمل على محوه أو تعديله في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن وفق الرؤية الإسرائيلية، ومستأنسة بالرؤية العربية الجديدة (المبادرة العربية) وكذلك بالهبوط الفلسطيني على مستوى القيادة السياسية .. وهناك سابقة في محو بعض قرارات الأمم المتحدة بشأن اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية . إن هذه الإمكانية واردة لكنها الآن مستبعدة في ضوء البحث عن «حل عادل ومتفق عليه» والأمر مرهون أيضاً بمدى اشتداد الرفض الفلسطيني الشعبي والسياسي لأية محاولات لشطب حق العودة.. وهنا تأتي أهمية لجان ومؤسسات حق العودة .
- في العالم الأحادي القطبية، اختلفت وسائل النضال وفُرص التوازن عن الزمن الذي ناضلتم فيه، ما هي نصائح «الحكيم» في هذه المرحلة؟ > بلا شك إن المرحلة السياسية الراهنة ليست ذاتها التي انطلقت منها الثورة الفلسطينية المعاصرة.. وبالتالي الشيء الطبيعي أن تختلف وسائل وأشكال النضال، وأولويات النضال وفقاً للظروف المناسبة، وعلى القيادات الفلسطينية المناضلة أن تقرأ اللوحة الدولية بكل تضاريسها كي تعرف أين موقعها في هذا الصراع الدائر على مستوى العالم.. وابتداع الأشكال النضالية المناسبة، كما عليها أن تدرك أن هذا التوازن الآن، بل الاختلال بتوازن القوى الدولية ليس إلا مرحلة سياسية قد تقصر أو تطول. فلا يجب على هذه القيادات أن تقدم على تنازلات تحت وطأة هذا العالم الأحادي القطبية.. فهو عالم ليس سرمدياً وأبدياً .. إنما عليها أن تؤسس لحركة وعي وطنية وقومية جديدة لدى الإنسان الفلسطيني والعربي، مضمونها بعث الهوية الوطنية والقومية لجهة عدم الاندماج في ما يسمى الهوية العالمية.. هذا تضليل من قبل الآخر لتسهيل مهمته في احتلال الأرض والعقل والثقافة .
- كلمة أخيرة إلى أبناء شعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات والغرب؟ > كلمتي إلى الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة.. أذكّرهم بأن الاستعمار بكافة أشكاله سيرحل عن أرضنا ولنا بالتاريخ عبرة.. لكن الأمر يحتاج أولاً إلى الوحدة، ثم الوحدة، ثم الوحدة.. وإن فلسطين هي الهدف، والهدف الراهن والاستراتيجي، فلا نجعل من خلافاتنا وصراعاتنا الداخلية على السلطة الوهمية والتي هي تحت الاحتلال مجالاً لانتصار الآخر علينا . وأدعو الشعب الفلسطيني إلى تنظيم صفوفه، عبر الحوار الوطني الشامل والبنّاء لأخذ زمام المبادرة من العدو، والعمل على وضع الخيار الكفاحي أمام الجميع . رسالتي إلى الشعب الفلسطيني أن الدم الفلسطيني حرام حرام، ولا يجب أن يراق إلا في مواجهة العدو الأكبر ..

Sunday, February 3, 2008

جورج حبش.. المناضل و الإنسان

عبد الستار الكفيري
لم تكن الشعارات التي أَطلقها مُشيعو " الحكيم " محضَ كلماتٍ عابرةٍ , تُقالُ في مناسبةٍ عابرةٍ , لم تكن كذلك , لا الشعارات التي أحاطت روح الراحل , ولا الحدث الذي إجتمع الناس بسببه . و لعلَ أبلغ دلالة لهذا , هو أن الشعارات التي تردد صداها عالياً لم تكن لترفع , لو لم يكن " الحكيم " وفياً لها , وما كان لتلك الجموع أن ترفعها , لو أنها لم تكن معنية بأن توصل صوتها للحكيم , لحظةَ التشييع , وكأن ما رددته يوحي بأنها تقول بأَعلى صوتها : أننا مثلك , وعلى نهجك , ووصيتك " فلسطين " باقية بين ضلوعنا..

عَرفته الجموع , مناضلاً جَسوراً , لا تقبل فلسطين لديه القسمة على إثنين , عَرفته الجموع طبيباً إنساناً , ولم تعرفه " تاجراً " , عرفته مفكراً وقائداً سياسياً , بكل ما ينطوي عليه الوصفان من معنى , ولم تعرفه " طارئاً " , عَرفته قومياً لا يهادن وأُممياً لا يساوم , عَرفته رفيقاً لوديع حداد , وكليهما يُعرَف بدلالة الآخر , ولم تعرفه " حليفاً لليسار الإسرائيلي " , عَرَفته كما كان ينبغي له أن يُعرَف , فشتان بين من يقضي وهو في عز تمسكه بثوابته ومبادئه وبين من يهوي وهو في ذروة هلاكه وتساقطه , كليهما راحلٌ لا محالة , فمن لم يمت بالسيف مات بغيره ..

رَحل وتركنا خلفه , ومعنا فلسطين , التي رفض زيارتها ذات نهار , مُعلناً بملء فيه : « أنا لا أَستطيع المرور عبر معبر يرفع العلم الإسرائيلي » , أَعلنها واضحةَ , مُجلجلة , لا لُبسَ فيها , بعدما إستطاب غيره الرجوع إليها , قالها ليتَردد صَداها ثانيةً , لحظةَ الاحتضار : « سيأتي يوم تزال فيها كل المعابر إلى فلسطـين »..

هكذا , تركنا في حضرة جسده المُسجى نُراود حُلمنا , ونُفتش عمن بقي على قيده ,,
فأن نفقد أحبابا لنا , ومُلهمين , فذاك امتحان عسـير ,,
أم أنه القضاء , وقد باغتنا , بعدما توسلنا , وصلينا بملء جوارحنا : " اللُـطف فيه "..



هنيئاً لروحك الطاهرةُ مثواها ,,
وهنيئاً لنا رُوحـكَ الباقـــية ...


Saturday, February 2, 2008

جورج حبش أول الشرارة ... أول الفكرة

علي بدوان
في لحظات صعبة من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، غادر الدكتور جورج حبش دنيا الوجود بعد أن ملأ الساحة الفلسطينية والعربية حضوراً وفعلاً وتأثيراً، كما يغادر الرجال التاريخيين من أبناء فلسطين من صنو القسام والشقيري وياسر عرفات ... غادر جورج حبش دنيا الوجود رجلاً صلباً ومنتمياً، كصلابة وانتماء شجرة الزيتون الفلسطينية العتيقة، بعد أن صنع المكانة كرائد في الكفاح الوطني التحرري للشعب الفلسطيني، فكان أول الشرارة، وأول اللهيب والفكرة الصاعدة التي تلت نكبة فلسطين، ففي حرم الجامعة الأمريكية في بيروت وبدءاً من كتائب الفداء والعروة الوثقى مروراً بحركة القوميين العرب والجبهة الشعبية بدء رسالة الوطنية، فقد ولد في مدينة اللد عام 1924 ودرس طب الأسنان في الجامعة الأمريكية في بيروت، عاش لحظات النكبة، وشاهد بأم عينه مأساة شعب بأكمله إبان التهجير العراقي الواسع الذي نفذته العصابات الصهيونية، خصوصاً في منطقة اللد والرملة حيث قاد اسحق رابين عملية طرد الفلسطينيين من وسط فلسطين فألتجات أسرة جورج حبش من اللد إلى الضفة الشرقية، فتركت النكبة بصماتها الكبيرة على شخصية وسمات وتكوين الدكتور حبش، فشب على المأساة محاولاً تلمس طريق العودة والتحرير، فانطلق بتوسيع إطارات حركة القوميين العرب التي تشكلت نواتها الأولى في الجامعة الأمريكية في بيروت حركة القوميين العرب، متلمساً عبرها طريق العودة إلى فلسطين،
ومن مخاضات حركة القوميين العرب عمل في التأسيس لانطلاقة الجناح العسكري الفلسطيني منذ العام 1963، فأعلن الدكتور جورج حبش بعد حين من نضوج الفكرة ونمو أزهارها، أعلن قيام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في 7/12/1967، عبر بيانها التأسيسي الموجه للشعب الفلسطيني والأمة العربية، والداعي " لإعلان الكفاح المسلح والاستمرار فيه بالرغم من كل الصعاب "، والى اعتماد " لغة العنف الثوري ضد الاحتلال "، مركزاً على أهمية العمل في الداخل الفلسطيني، وعلى تكريس شعار " نموت ولانهاجر "، ومؤكداً على ضرورة مصارحة الجماهير، فطرحت الجبهة الشعبية بقيادته شعار " كل الحقيقة للجماهير".

جورج حبش، الرجل الوحدوي المسيس صاحب مقولة (كل البنادق نحو العدو)، وصحب مقولة (ثورة ثورة حتى النصر) تمسك بالبعد القومي للصراع مع الصهيونية مع تحوله إلى الماركسيه مازجاً بين الخاص والعام، أرتبط بعلاقة خاصة ذات طابع قومي حميمي مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، خطيب مفوه، يمتلك حضور وكاريزما عالية بين الناس، منظر سياسي وأيديولوجي، قادر على جذب الاهتمام وتحشيد الناس، وعرف عنه وحدويته، ونزاهته العالية، ونقاؤه الوطني، ورفضه المساومات إلى حد التطرف وفقدان السياسة، فأكتسب لقب (ضمير وحكيم الثورة)، له العديد من المقولات التي حاول فيها دوماً تكريس رؤيته ومفاهيمه الكفاحية، فهو من قال :
· " تستطيع طائرات العدو أن تقصف مدننا ومخيماتنا وتقتل الأطفال والشيوخ والنساء ولكن لا تستطيع قتل إرادة القتال فينا ".
· " لا تستوحشوا طريق الحق لقلة السائرين فيه ".
· " أنا مسيحي الديانة ، إسلامي التربية، اشتراكي الفكر".
·
" لا عذر لمن أدرك الفكرة وتخلى عنها ".
تخلى طواعية عن موقعه كأمين عام للجبهة معتبراً خطوته بأنها تأتي " ايماناً مني بافساح المجال لقادة غرسوا في النضال، وقناعة مني بأن الجبهة الشعبية لديها القدرة على خلق القيادات .. إضافة للجانب الديمقراطي ".
وباستقالته من الأمانه العامة للجبهة سلم دفة القيادة للشهيد أبو علي مصطفى الذي يعتبر بدوره من أبرز الشخصيات التي لعبت دوراً هاماً في تاريخ الجبهة الشعبية والحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة. ولد عام 1938 في قرية عرابة قضاء مدينة جنين الواقعة عند رأس المثلث الجنوبي لسهل مرج ابن عامر، مقابل قرية عرابة سهل البطوف الجليلية، والتحق أبو علي مصطفى بالعمل الفدائي مبكراً حيث ساهم في تأسيس الجبهة الشعبية وفي قيادة جناحها العسكري انتسب إلى حركة القوميين العرب عام 1955 وتعرف إلى بعض أعضائها من خلال عضويته في النادي القومي العربي في عمان (ناد رياضي ثقافي اجتماعي).
شارك وزملاؤه في الحركة والنادي في نضال الحركة الوطنية الأردنية ضد الأحلاف الغربية، ومن أجل إلغاء المعاهدة البريطانية - الأردنية وتعريب قيادة الجيش العربي (الأردني) وطرد الضباط الإنكليز من قيادته وعلى رأسهم "غلوب باشا". اعتقل في نيسان (أبريل) 1957 إثر إعلان الأحكام العرفية في الأردن وإقالة حكومة سليمان النابلسي ومنع الأحزاب السياسية من النشاط، كما اعتقل عدد من نشيطي الحركة آنذاك، واستمر اعتقالهم بضعة شهور، ثم أطلق سراحهم، قبل أن يُعاد اعتقالهم بعد أقل من شهر ويُقدموا لمحكمة عسكرية بتهمة مناوئة النظام والقيام بنشاطات ممنوعة والتحريض على السلطة وإصدار النشرات والدعوة إلى العصيان. صدر عليه حكم بالسجن خمسة أعوام أمضاها في معتقل "الجفر" الصحراوي.
أُطلق سراحه في نهاية عام 1961، وعاد إلى ممارسة نشاطه في حركة القوميين العرب، فأصبح مسؤول شمال الضفة الغربية، حيث أنشأ منظمتين للحركة، الأولى للعمل الشعبي والثانية عسكرية سرية. في عام 1965 ذهب في دورة عسكرية سرية (لتخريج ضباط فدائيين) في مدرسة "أنشاص" الحربية في مصر، وعاد منها ليتولى تشكيل مجموعات فدائية، وأصبح عضواً في قيادة العمل الخاص في إقليم الحركة الفلسطيني. اعتُقل في حملة واسعة نفذها الأمن الأردني ضد نشيطي الأحزاب والحركات الوطنية والفدائية في عام 1966، وأُوقف إدارياً بضعة شهور في سجن الزرقاء العسكري، ثم في مقر مخابرات عمان، إلى أن أُطلق سراحه مع زملاء آخرين دون محاكمة. عقب حرب حزيران (يونيو) عام 1967 اتصل وعدد من رفاقه في الحركة مع الدكتور جورج حبش لاستئناف العمل والتأسيس لمرحلة الكفاح المسلح، وكان أحد مؤسسي هذه المرحلة حين انطلقت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
قاد الدوريات الأولى نحو فلسطين عبر نهر الأردن لإعادة بناء التنظيم ونشر الخلايا العسكرية وتنسيق النشاطات بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فلاحقته قوات الاحتلال، واختفى بضعة شهور في الضفة الغربية في بدايات التأسيس. وتولى مسؤولية الداخل في قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ثم أصبح المسؤول العسكري لقوات الجبهة في الأردن إلى عام 1971، وكان قائدها أثناء معارك المقاومة في سنواتها الأولى ضد الاحتلال، كما كان قائدها في أحداث أيلول (سبتمبر) 1970 والأحداث التي وقعت في جرش وعجلون في الأردن في تموز (يوليو) 1971. غادر الأردن سراً إلى لبنان إثر القضاء على ظاهرة المقاومة الفلسطينية المسلحة في الأردن عقب أحداث تموز (يوليو) 1971. انتُخب في المؤتمر الوطني الثالث للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1972 نائباً للأمين العام الدكتور جورج حبش. تولى مسؤولياته كاملة كنائب للأمين العام حتى عام 2000، وانتُخب في المؤتمر الوطني السادس أميناً عاماً للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خلفاً للحكيم جورج حبش، وكان ذلك يوم 8 تموز (يوليو) 2000، وعاد إلى فلسطين أثناء توليه منصب نائب الأمين العام بناء على طلب قدمته السلطة الفلسطينية إلى السلطات الصهيونية، ووصل إلى فلسطين يوم 30 أيلول (سبتمبر) 1999.
استُشهد يوم الاثنين 27 آب (أغسطس) 2001 في عملية اغتيال نفذها الاحتلال، بقصف مكتبه في مدينة البيرة مباشرة من طائرة مروحية أمريكية الصنع تعمل في جيش الاحتلال، فكان أول أمين عام يستشهد فوق أرض فلسطين. قبله، خارج أرضه، سقط فتحي الشقاقي، بعدما أمضى في مقارعة السجون والأسلاك
الشائكة نحو خمس وأربعين سنة متواصلة".

د.جورج حبش.. وداعا أيها المعلم

فايز رشيد
القدس العربي
بدموع عينيها تبكي فلسطين قائداً حمل ثراها في دمه علي مدي مسيرته النضالية الطويلة. اكتحلت عيناه بقطرات زيتونها، تزنرّ بأغصان أشجارها، زرعها لتتدفق ينابيع ثورة تألقت وهجاً متصلاً.. أضاء وما يزال طريق شعبنا وامتنا.. أنار ظلمات الليل وأخري تدثرت زيفاً بالنهار. كشف تناقضاتها ليتضح المشهد فجراً مضاءً بشمس دماء شهدائنا الذين سقطوا علي مدي الرحلة وما يزالون.كل خلية في جسده اتجهت دوماً الي تلك البقعة الجغرافية التي استقرت في عقله وقلبه، وسكنته حتي حدود التماهي والانصهار، فولدت فكراً أزاح دوماً كل الغمامات الضبابية عن العيون، لتنزرع الحقائق الناصعة المتجهة بدورها أبداً...نحو أزهار دوار الشمس..نحو الحرية والشمس والوطن..نحو الشاطئ المتوسطي.. المسوّر بالمدي والمزيّن بمناراته التي انزرعت جذورها ما قبل التاريخ..نحو اسوار عكا وقد ردت كل هجمات الغاصبين.. بقيت هي.. وتلاشوا هم نحو حارات القدس القديمة، التي تدثرت بأعمدة التاريخ.. تاريخنا.. فهم بلا تاريخ..تنفست عبق معارك محرريها ممن سبقوا، لتدق بصهيل خيولهم ابواب الدنيا من الأزل البعيد الي الكرمل والناقورة ورفح معلنة عروبتها وفلسطينيتها الخالدة.نحو اللد التي انزرعت في تلافيف ذاكرته عنواناً ابدياً.. وملاذ افق ظلل رحلته النضالية الممتدة ما يزيد علي نصف قرن.نحو فلسطين (التي سكنته ولم يسكنها) معلنة اندماجاً خاصا ينتصر فيه الفلسطيني علي اللحظة من اللحظة، محوّلة معادلة سكني الوطن الي متبادلة تتحقق فيها الذات الفلسطينية بالانتصار علي ذاتها وعلي كل تعقيدات وصعوبة المراحل المختلفة لتحقق المستقبل من المستقبل، ولتعيد لسمفونيتها ألقها ورونقها وتعيد بناء حاضرها.ولأنك ايها الحكيم حاضر في شعبك وأمتك وكل المخلصين للقضايا الوطنية التحررية والديمقراطية علي صعيد العالم اجمع.. من الصعب ان نخاطبك بصيغ الماضي.ايها الرفيق والصديق والقائد والمعلم لكل رفاقك وأبناء شعبك علي مدي تاريخك...ظللت مثلاً للنقاء الثوري وطهارة اللسانظللت عفيف النفس متواضعاً، صادقاً، تجهر بما تفكرظللت صمام امام كفاحناحملت فلسطين وطناً وشعباً وقضية علي كاهلك المثقل بأحزان المظلومين في كل بقاع الدنيا.ظللت وطنياً بامتياز وقومياً بامتياز واممياً بامتياز، جمعت بين صلابة الفولاذ ورقة الزهرة والنسيم امتشقت دوماً كبرياء شعبك وعنفوانه.. اضفت اليهما ملمساً خاصاً وطبعتهما ببصماتك.. فازدادا وهجاً في طريقهما الي الأعالي في الأفق الأزلي.يا من تدمع عيناك لبكاء طفل، وتحزن لدموع ام هدتها الظروف. غلبت دوما مصلحة قضيتك وانشددت ابداً للوحدة الوطنية وكنت فارسها بلا منازع. لم ترفع سلاحك يوما في وجه شقيق نضال فلسطيني.علمتنا كيف يكون الحوار في ظل الاختلاف.جعلت من جبهتك الشعبية جامعاً لا مفرقاً بين كل الوان الطيف الوطني، وجعلتها شاطئاً يرنو للرسوّ عليه كل الذين يطمحون لمعرفة المواقف الصائبة. جعلت من انجاز شعبنا المتمثل في منظمة التحرير هاجسك الدائم ظللت واضحاً مثل شمس ساطعة، ومعطاء مثل بحر، وناقداً للفكر مثل حقول قمح.. لا تجامل احداً علي حساب مصلحة القضية.ظللت نقياً مدركاً لطبيعة عدونا، مؤمناً بانتصار قضيتك وتحرير فلسطين.ظللت مبدئيا، يحترمك من تختلف معهم قبل مؤيديك، ظللت ابا وأخا كبيراً لرفاقك وأبناء شعبك تماماً مثلما مثلت لعائلتك. لم تجرح احداً بكلمة تفوهت بها.علمتنا كيف يكون النقد، بادئين بأنفسنا، وكيف ننقد الآخر لا لتحطيمه بل من اجل اصلاحه.ظللت منبعاً للفكر الانساني التقدمي المتجه دوماً نحو العدالة والمساواة ورفع الظلم في بوصلة لا تحرف اتجاهها.علمتنا كيف يكون القتال مع الأعداء، وكيف نواجه المساومة علي حقوق شعبنا الوطنية. واوضحت لنا مخاطر الانغماس في وعود الأعداء... هذه البراقة السرابية، التي ينجرُّ اليها آخرون.ما زلت اذكر حصار بيروت في عام 1982، حين توجهت اليك طالباً تقديم كتابي عن الحصار وسط كل مشاغلك... استجبت لطلبي وكتبت مقدمته، التي سأظل اعتز بها ما حييت.وفي هذا العام قبل بضعة أشهر، احضرت اليك مخطوطة كتابي المهدي اليك، واستشرتك في الكتابة عن قصة حياتك، وان كان هناك من بعض الملاحظات علي ما كتبت اجبتني موافقاً بعد بضعة ايام، وكنت دوماً تستعجل اصدار الكتاب... لكن القدر كان أسرع من ان تراه مطبوعاً.. وللأسف عندما استفسرت الناشر.. اجابني بأنه قيد التجليد.ايها المعلم والصديق.. نم قرير العين، فأنت بإرثك وكل ما تركت، وبتواضعك وشفافيتك وبتعاليمك وفكرك ومواقفك بيننا.. حيُّ فينا.. ولترقد روحك بسلام.

Friday, February 1, 2008

عند كل حياة...في حوار مع حكيم الثورة الفلسطينية

أحمد الحسين
اليوم، نشفت دموعي قليلا، وآثرت على نفسي قليل من الحكمة والعقل، اليوم، وبعد عدة قليلة من الأيام، زال عن نفسي التعب قليلا، لأضع حروفي، فلا تأخذني العاطفة، ربما راوغت حبيبتي قليلا لأختبئ بألمي عنها، لكنني أعتقد أنها كانت تعرف أني أجاملها، بأنني أصبحت أفضل..ربما لم يكن لحزني من داعي، فما للفراق من ألم، هو التقاء حي بحي، لكنني تعلمت منه الكثير والكثير، كما تعلم الشرفاء منه، اليوم، لن ألقي خطابا حماسيا تشرأب له الأعناق وتنذبح الأيادي على الأيادي تصفيقا، اليوم فقط، سأسامر نفسي هنا، مع قرائي، مع من يجيدون التأمل بما بين السطور وما عليها..في الكثير من الأحيان، يجيد الفصيح بلاغة وحنكة ليهتف ويلقي الكثير والكثير من المدائح، لمن فقده، ويجعله نبيا أو إله، ولا يذكر خطاياه، وفي الطرف الآخر، نجد من يهمس ويهمس، بالخطايا، ولكأن الحسنات انتهت عند هذا الرجل وتخطته إلى غيره بلا رجعة..على محمل المديح ووقائع الخطايا، أرقي نفسي عن أساليب الرثاء.. فما من سيد ينتظر الرثاء، ولا من عبد ينتظره، هل الجسد واقع تحت تأثير النشوة، أم هي الروح التي تستحق الرثاء؟ أرأى أحد في أي وقت ما، جسد خالد؟الجسد رحل، والثورة ربما رحلت، والشرفاء أصبحوا من خبر كان، أو في قديم الزمان، أو أسطورة القرن الحادي والعشرين..نعم بكيت سيدي، وأعتذر أنني لم أبك عليك، ولم أحزن عليك، فما فعلته في حياتك، لهو أكثر مما يستطيع شخص أن يفعله في حياتين متتاليتين، أو شخصين في حياة واحدة..بكيت ولم أبك عليك، لأنك ربيت رجالا وثورة حكمتها، لا يبكون من رحل، بل يولدون من قلب الحجر..بكيت ولم أبك عليك، لأنك زرعت بقلبي أن دموع الرجال لا تنزل على الرجال، تنزل على كتف الحبيبة، أو في غياب الوطن..الوطن، بكيته ألف مرة، لكنني لم أستفد شيئا، الحبيبة، بكيتها كثيرا، ولربما أستفيد، وأنت، لن أبكيك ما حييت، أعتذر، لن أبكيك..بكيت آخر صرح من فلول الرجال، ورموز الشرفاء.. بكيت قضية ستذهب للمجهول بعدك سيدي، مع أنك تركت خلفك أسودا، وأشبال، لكن شخصك لم ولن يتكرر فيهم..بكيت آلاما أتوقعها من غياب كبير وفراغ مخيف، سيتركه مكانك.سيدي، لن أبكيك، فالبكاء سيصبح عادة يومية، اذا ما بكيتك، لأنك لن تربت على كتفي من جديد، وتشجعني، وتتأمل خيرا من رجال القضية..سأبكي قضيتنا اليوم، التي انتهى منها عصر الكبار، وعصر الراديكالية، وعصر الحزم والقرار الداخلي الفلسطيني، وستعبث بنا الأيادي من جديد، لننقسم على أنفسنا,,سيدي، لا تغضب في منفاك الجديد، فمن اللد إلى المنفى، ومن المنفى إلى منفى آخر..لا تغضب وتعاتبني، فأنا أود لو تصبح توقعاتي هواجس وأحلام..لكنني أنظر لما سيحدث الآن، على هذه الساحة الفارغة، من مسرحيات وتمثيليات، لا يعلم بها الا الله...رحمك الله سيدي، رحم الله ترابك، والبقاء لأفكارك وأسودك..البقاء للحب الذي زرعته بنا..البقاء للوطن الذي رأيناه خلالك..البقاء للعلم الاحمر..البقاء للثورة الحمراء..البقاء لسهام الثورة..وحجارتها...